14 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

من أخلاق العرب التي لا ينبغي أن ننساها

قالت العرب:

«الضيف لا يطرد، وابن العم لا يضرب، والنسيب لا يهان، والقريب لا يخذل، والرفيق لا يخان، والجار ولو جار».

كلما قرأت هذه الكلمات شعرت أن وراءها تجارب طويلة من الحياة اختصرها الأجداد في عبارات بسيطة بقيت تتناقلها الأجيال، وتحمل معها معاني المروءة والوفاء وحفظ الحقوق.

فالضيف له حقه، وابن العم له حرمته، والنسيب له مكانته، والقريب لا ينبغي أن يجد نفسه وحيدًا وقت الحاجة، والرفيق لا يغدر بمن ائتمنه، أما الجار فله حق حتى لو اختلفت معه أو أساء إليك.

والجميل في هذه الأمثال أنها لا تعلمنا كيف نتعامل مع من نحبهم ونرتاح إليهم فحسب، بل تذكرنا بحقوق الناس حتى عندما تختلف طباعنا أو تتعارض مصالحنا أو تقع بيننا الخلافات.

فمن السهل أن تحترم شخصًا تحبه ويبادلك الاحترام، لكن الاختبار الحقيقي يكون عندما تختلف مع شخص أو تصدر منه إساءة إليك، فهل نرد الإساءة بمثلها أم نحاول أن نحتفظ بأخلاقنا وألا نسمح للغضب بأن يغير ما تربينا عليه؟

تأملوا عبارة «الجار ولو جار»، فالجار قد يسيء إليك أو يختلف معك، لكن ذلك لا يبيح لك ظلمه أو الاعتداء على حقوقه، وليس معنى هذا أن تقبل الإساءة أو تسكت عن الخطأ، وإنما أن تحفظ حقك من دون أن تتجاوز على حق غيرك.

وهذا المعنى لا يخص الجار وحده، بل يشمل القريب والصديق وكل من تربطنا به علاقة، فقد نغضب وقد تتغير علاقتنا بالناس، لكن ليس من الضروري أن يتحول كل خلاف إلى خصومة تمحو ما بيننا من عشرة ومواقف طيبة.

قد لا نستطيع تغيير تصرفات الآخرين، لكننا نستطيع أن نختار طريقة تعاملنا معهم، وهذه ليست مسألة ضعف أو تنازل عن الكرامة، بل هي قدرة على التمسك بالمبدأ حتى عندما لا يلتزم به الطرف الآخر.

وفي حياتنا اليومية نرى كيف يمكن لكلمة قاسية أو موقف عابر أن يفسد علاقة امتدت سنوات، وربما يقطع صلة بين أشخاص جمعتهم أيام ومواقف لا تنسى، مع أن بعض الخلافات كان يمكن تجاوزها لو احتفظ كل طرف بشيء من الإنصاف وحسن التصرف.

لسنا مطالبين بأن نوافق الناس على كل ما يفعلونه أو أن نقبل منهم الإساءة، لكننا مطالبون بألا نظلمهم بسبب إساءتهم، وألا نجعل أخطاءهم مبررًا للتخلي عن أخلاقنا.

فالأصيل ليس من لا يختلف مع الناس، بل من إذا اختلف معهم لم ينس أصله ولم يتخل عن أخلاقه، لأن قيمة الإنسان لا تظهر فقط في طريقة تعامله مع من يحب، بل تظهر أيضًا في الطريقة التي يعامل بها من يختلف معه.

وهنا تبقى حكمة الأجداد جديرة بأن نتأملها ونعمل بها، فالأخلاق ليست كلمات نتداولها ولا أمثالًا نحفظها، بل مواقف تظهر معادن الناس وتكشف حقيقة ما يحملونه في نفوسهم…


error: المحتوي محمي