11 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

رويحات.. راحت ولا استراحت! من ذاكرة القطيف: حكاية الرفق والودّ وحسن الوفادة

في ذاكرة القطيف مفردات لا تكتفي بتسمية الأشياء، بل تحمل شيئًا من روح المكان ووجدان أهله. ومن هذه المفردات كلمة «رويحات»، وهي التسمية التي يعرف بها أهلنا الفراشات، ولعلّ في وقعها صلة بمعنى الترويح عن النفس، بما تبعثه هذه الكائنات الرقيقة من أنس وجمال.

وللرويحات في ذاكرتنا الشعبية حكاية متوارثة؛ إذ يعتقد بعض أهلنا أنها من الجنة، ولذلك لا يجوز إيذاؤها. وهو معتقد شعبي نذكره بوصفه جزء من الموروث، لا حكماً دينياً ثابتاً، ونلمح فيه معنى تربوي جميلاً يحثّ على الرفق بالكائنات الصغيرة، ويغرس في النفوس احترام الحياة.

ومن خلال مسيرتي الحياتية، لا أذكر أنني رأيت أحداً يصطاد رويحة أو يرميها؛ بل رأيت الناس يستحسنون حضورها، ويتأملون خفتها وجمالها، وكأن بينهم وبينها عهد غير مكتوب بألّا تمتد إليها يد بالأذى.

والعجيب أن هذا المعنى لا يقف عند الرويحات وحدها؛ فحين يصادف أهلنا إنسان طيب المعشر، نقيّ القلب، لا يؤذي أحدًا ولا يحمل ضغينة، قد يقولون عنه: «هذا من أهل الله، ومن أهل الجنة»، تعبيرًا عن محبتهم له وحسن ظنهم بصلاحه، لا حكمًا على مصيره.

وهكذا تصبح الرويحة أكثر من فراشة تحطّ على زهرة؛ تغدو صورة للإنسان الذي يستحسن الناس حضوره، ويألفون هدوءه، ويأنسون بطيبته، حتى إذا غاب افتقدوه، وإذا رحل تمنّوا لو أنه وجد بينهم ما يروّح عن نفسه ويطيب خاطره.

ويذكّرنا هؤلاء بقول أهلنا: «ما يهشّ ولا ينشّ»؛ وصفاً لمن يألف الهدوء ويبتعد عن الأذى، ولا يثقل على الآخرين بحضوره. ففي مجالسنا القطيفية، كانت العِشرة تُعرف بطيب المعاملة، وحفظ المقام، والسؤال عن الغائب، والوقوف مع القريب والجار وقت الحاجة.

لكن العلاقات، مهما طالت، لا تخلو من اختلاف الطباع والعتب. وقد يمنح الإنسان الودّ فرصاً كثيرة، ويصبر على ما يكدّر خاطره، حتى يختار الابتعاد حفاظاً على ما بقي في نفسه من سلام. وليس كل رحيل كره، ولا كل صمت رضا، ولا كل ابتعاد نكران للجميل.

وفي مجتمعنا، حيث تتقارب البيوت وتتداخل صلات القرابة والجيرة، تبقى الكلمة الطيبة وحسن الوفادة من أجمل ما يحفظ العلاقات. فالاختلاف لا يبرر التجريح، والعتب لا يستدعي التشهير، ونهاية العلاقة لا تمحو بالضرورة الأيام الطيبة التي جمعت أصحابها.

وإذا كانت رويحة صغيرة تستثير فينا معنى الرفق، فالأولى أن نصون خواطر البشر، وألّا نجرح قلباً جاءنا طالباً للأنس، أو نضيّق على روح لم تحمل إلينا أذى.

وهنا تستوقفنا عبارة شعبية تختصر حكاية الرويحة في وجداننا القطيفي، حين يراها البعض تأتي ثم تغادر:

«خسارة، لرويحة راحت ولا استراحت!»

في العبارة حسرة وعتب، وفيها سؤال لا يُقال صراحة: هل أحسنّا وفادتها؟ هل منحناها من طيب الخاطر ما يجعلها تألف المكان، أم رحلت قبل أن تجد راحتها؟

وكما تحتاج بساتين القطيف إلى الماء لتزهر، تحتاج العلاقات الإنسانية إلى الودّ والتقدير وحسن المعاملة. وإذا تعذّر استمرار القرب، بقي للأخلاق مقامها، وللعِشرة حرمتها، وللذكريات الطيبة حقها.

فربما لا تكون خسارتنا في رويحة راحت، بل في أننا لم نحسن استقبالها حين جاءت، ولم نمنحها من طيبنا ما يجعلها تستري.


error: المحتوي محمي