المرض ألمٌ يخترق الجسم السليم كرهًا أو بسبب تعرضه لإصابة مباشرة ناتجة عن حدثٍ ما، إذًا هو حالة طارئة غير محسوبة ولا مخطط لها، وعندها يشتغل الفكر لإيجاد أقصر طرق التخلص منه، بخلاف السفر مثلًا أو الزواج والبناء وعقد الاجتماعات وأداء الاختبارات، يسبقها الاستعداد.
عدوٌ مخيفٌ خبيثٌ ثقيل يطرق فجأةً وقت الراحة والهدوء والأمان، ولا يُدرى كيفية الفرار منه، يستنفر جميع من في البيت صغارًا وكبارًا، يصبحون ويمسون في طوارئ، ولأنهم يجهلون متطلباته يستعينون بالمختصين للتغلب عليه.
يغيّر كل قائم ومرتب من أكل ونوم وعمل، ويلغي البرنامج المعد سلفًا، ويأتي بالجديد: سهر، مراجعة مستشفى، أعمال إضافية، تعطيل ضروريات، تعامل مع أدوية جديدة وعلاجات، يُعطى هذا، يُمنع من ذاك. ظروف عصيبة الكل منها في حيرة، إن رأيتهم حسبتهم يخوضون حربًا شاهرين سيوفهم في وجه خصم شرس بغية هزيمته.
في المقابل، القريب والمحب لهذا السقيم يكون متخوفًا من خطورة على عزيزه وغاليه - أو فضولًا - يتابع وضعه أولًا بأول بالاتصالات المتكررة والرسائل المتتالية أو قصد المنزل دون توقيت مناسب وعلم مسبق، يخاطب نفسه: «بالتأكيد بعد صلاة المغرب أجده أو إذا وصلت أخبرته فيفتح لي». هذه حساباتك المعتادة، وما أدراك وما يدريك أنها ساعة استرخائه الوحيدة التي طال انتظارها!
إلى أن تتحول هذه العيادة لأعباء زائدة تضايقه وتضاعف معاناته من غير أن تشعر أنت بها أو تتغافلها، لذا علينا اختيار الطريقة المثلى مع أحبابنا المرضى من حيث هم، وتمشيًا مع ما بهم لا ما نحن بمعزل عنهم، خصوصًا مع كبار السن ومن يمرون بظروف غير عادية، من رُكبت له قسطرة أو عنده احتباس بول أو لا يتحكم فيه ومتردد على دورة المياه أو محروم من النوم أو يعاني من ضيق تنفس وفقدان مناعة، ومن تؤذيه الروائح وإن كانت طيبة فضلًا عن السيئة كالتدخين.
لذا يجب اتباع الآتي:
أولًا: حال الاتصال الهاتفي:
اختر وقتًا وسطيًا توافقيًا أو تأكد من الأقرب له: هل يمكن الاتصال به أم لا؟ فإن قيل لا، اتخذ طريقًا آخر، وإن نعم، امضِ واختصرها، تَعَافَ له وادعُ وقدم خدماتك، لا تناقشه وتُلح بالأسئلة، تريد منه البوح بما يكره كأنك تحقق في جريمة قتل، فإنك بهذا ترهقه على ما فيه وتكون قد زدته تعبًا، والنتيجة أضررته وما نفعته.
ثانيًا: الزيارة المنزلية:
يسبقها تحديد موعد؛ لأن هدفها الرئيس إدخال البهجة والسرور لا المضايقة وزيادة الهموم. لا تُطِل المدة حتى لو كان المزور منجذبًا إليك ظاهرًا، لتكن عندك فراسة، لعلها مجاملة، إن عرفتها كذلك ارحل بلباقة، أو حقيقية زدها دقائق معدودات هادئة. لا تكثر الكلام، تثرثر بلا معنى أو بضحك مرتفع مقزز، لا تجعله مجلسًا عاديًا، فظروفه الآن مختلفة لا تسمح بالتهريج كما لو كان معافى.
لا تطلب تفصيلات إصابته وملحقاتها، وإن حصل منك ذلك ولم يرد عليك فلا تُعد ولا تؤاخذه لأنه لم يجبك. لا تذكر له عينات أُصيبوا بمثله، منهم رحمه الله، ومن لزم الفراش لسنوات وفارق الحياة، وإعاقات مستديمة، أو عمرو عولج في لندن ومات، وزيد من الشيك ما استفاد، وآخر من دلهي أُرجع ملفوفًا بأكفان. لا تقل: وجهك شاحب مصفر اللون، هذه ترويعات. «لا تصوره من غير علمه». لا تصدر له وصفات طبية تطوعًا أو تصنعها من بنات خيالك، أعرِض عن كل هذا.
بل ارفع معنوياته عندما تقول له: ما شاء الله تبارك الرحمن، نور الإيمان يشرق منك، لا بأس عليك، الشفاء ظاهر على محياك، شدة وإن شاء الله تزول، ما أصابك فيه أجر وثواب. بهذا تجعل من زيارتك بلسمًا تخفف الألم، عندها يحس بحلاوتها ويشتاق لرؤيتك ثانية وثالثة؛ لأنك بهذا فعلًا شاركت بسرعة شفائه.
واعلم أنه مع حاجته لمن حوله أحيانًا يحب الخلوة بنفسه حتى بين الزوجين. تقيّد تمامًا بمدة الزيارة بداية ونهاية، لا تدخل قبلها، لا تجلس بعدها، وإن كان في المستشفى وكان نائمًا فلا توقظه أو تعمل حركة لإيقاظه، انتظر قليلًا إن أفاق، وإلا فاترك ما يثبت زيارتك إن أمكن أو انصرف وأشعره فيما بعد. «البعض زيارته غصة عدمها خير منها»، وآخرون يُشكرون على تركها.
ثالثًا: بالمراسلة نصًا وصوتًا:
وهي متاحة على مدار الساعة في حاضرنا، وفعالة موصلة غير مقيدة، الأنجع دون إزعاج للمريض أو تكلف، ولا تحتاج لتوقيت تريحه؛ لأن لديه الخيار ومتسع للرد عليها متى شاء، ولا حرج عليه منها، يعتبرها تسلية عند فراغه، ومن أبرز مميزاتها تعطيك ولو مجملًا عن صحته مباشرة بلا واسطة، وبها أديتَ واجبًا.
الخلاصة:
من خلال مكالماتك أو زياراتك وبحكم القرابة أو الصداقة والثقة، كُشف لك عن أمور خاصة يتعرض لها المصاب، بعضها يندرج تحت مسمى السرية، هنا عليك الاحتفاظ بها لنفسك، ما كل ما سمعته عنه أو قيل لك ورأيته تنقله لمن لاقيت، فإنها تعود بالضرر عليه حين يعلم بها.



