04 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

في سيهات وعلى أوتار الضحك.. أحمد الرمضان يحوّل الأطعمة والمواقف إلى موسيقى شعرية

فتح الشاعر أحمد محمد الرمضان، عضو منتدى عرش البيان بمدينة سيهات، نافذة مختلفة على الشعر عبر إصداره الجديد «قلت ابتسم»، واضعًا القارئ أمام تجربة تتكئ على الفكاهة والطرافة، وتستحضر الأطعمة والمواقف الحياتية الحقيقية لتعيد صياغتها في قالب شعري يمزج الدعابة بالتأمل.

وقدم الرمضان في ديوانه الشعري الثالث 75 نصًا شعريًا، تنوّعت موضوعاتها بين التغزل بالأطعمة والتقاط المواقف اليومية وسردها في أبيات شعرية، لتتداخل الطرافة والدعابة مع التأمل في تجربة امتدت على 170 صفحة من القطع المتوسط، وصدرت عن دار دهشة للنشر والتوزيع.

واستعار الرمضان عنوان ديوانه «قلت ابتسم» من عالم الشاعر الكبير الراحل إيليا أبو ماضي، موضحًا في مقدمة إصداره أن التسمية جاءت اقتباسًا خاصًا من شاعر استطاع بكلماته هز المشاعر وجلب الجمال إلى القلوب، ولا سيما في قصيدته التي تبث روح الإيجابية والسعادة مهما كانت الظروف، والتي قال فيها:

قال: السماء كئيبة وتجهما/ قلت: ابتسم يكفي التجهم في السماء

قال: الصبا وإلا فقلت له: ابتسم/ لن يرجع الأسف الصبا المتصرما

وعزف الرمضان عبر نصوص الديوان على أوتار الفكاهة بروح دعابة تبدو عنصرًا أصيلًا في شخصيته، فاحتضنت صفحاته الأطعمة والمواقف الحياتية، وحوّلتها لغته الشعرية إلى لوحات كوميدية ذات بناء سردي يقترب أحيانًا من المشهد السينمائي، ليجد القارئ نفسه داخل تفاصيل القصيدة، وكأنه عنصر أساس يشارك الشاعر في نسج أحداثها.

وأبعد الرمضان في نصوصه فكرة الطعام عن مجرد الجوع، فلم يطرق أبواب الأطعمة بحثًا عن الشبع وحده، وإنما أزاح - مجازًا - عن المرآة خدوشها لتصفو، وجعل القارئ كما لو أنه يتأمل قطرة ماء تنساب على زجاج نافذة في لحظة شتوية تلفها الغيمات، مشيرًا من خلال تجربته إلى أهمية تأمل النعمة الإلهية التي بين أيدينا.

وأسس الإصدار لحكاية أخرى تختبئ خلف النصوص التي نسجها الشاعر، وهي حكاية علاقة وجدانية مع الأشياء، تنبثق منها فلسفة يغلفها بستار أحمر في أبجديته، وتهفو إليها النفس؛ إذ يوهم القارئ في بعض قصائده بأنه يتغزل بأنثاه، قبل أن تفاجئه نهاية المشهد بأنه يقف أمام طبق من الطعام أو موقف من مواقف الحياة، فيبتسم ويأنس قلبه بالطرافة.

والتقط الرمضان الأطعمة كما يلتقط الشاعر فكرته وحالته الشعرية، فلا تكاد عيناه تقعان على طبق شهي إلا ويحتضنه بقريضه، وكأنما يخلي الصحون مما تحتويه عبر أبياته، فيحوّل المائدة إلى مساحة شعرية، والطعام إلى بطل يمكن أن تدور حوله القصيدة.

وكشفت لغته الشعرية أن وراء الأطعمة حكايات تستحق أن تروى وتفهم، إذ أراد من قارئه أن يتأمل المشهد الجمالي ويعيشه مع الأطباق، وأن يعيد اكتشاف جمالية حاسة الذوق، وألا ينظر إلى الطعام باعتباره وسيلة لإشباع الجوع فقط، داعيًا إلى تأمل هذه النعمة الإلهية من خلال رؤيتها ولمسها وشم رائحتها، ثم تناولها.

وحضر الرمضان نفسه داخل بعض نصوص الديوان بشخصيته ومواقفه اليومية، محولًا تجربته الشخصية إلى مشاهد فكاهية تُستقبل بابتسامة بريئة؛ فبعد أن أعلن عزمه على اتباع «رجيم»، واجتهد في محاولاته لإنقاص وزنه، سرعان ما أعلن استسلامه ضاحكًا أمام طبخ والدته، فقال في قصيدته «لا فائدة»:

أخذت إجازتي ليخفَّ وزني/ وأطرد من تدلّي البطن همّي

وأول ما ابتدأت بها إذا بي/ بلا وعيٍ أسير لطبخ أمي

وصار بجدولي أثر الصَّواني/ وكل رياضتي تحريك فمّي

واستدعى الشاعر في جانب آخر من الإصدار مواقف عابرة قد تمر على الإنسان دون أن يتوقف عند تفاصيلها، لكنه التقطها بحسه الشعري وتأمله الفطن، وأعاد بناءها في قصائد تحمل رسائل إنسانية إلى جانب قالبها الفكاهي.

وصور الرمضان في قصيدته «أمي الغالية» واحدة من تلك المواقف الأسرية بأسلوب فكاهي، متناولًا قدرة الأبناء على الوصول إلى ما يريدون من خلال الجدة، بعدما تعجز محاولاتهم المباشرة مع الأب، فقال:

إن أبنائي إذا ما طلبوا/ أثمن الألعاب ألوي رأسيه

ما استطاعوا فكَّ «كلَّا» عن فمي/ حيث «لائي» كالجبال الراسية

فإذا بالأمر يأتي عابرًا/ حاجز النَّهي بروح حانية

منه أجري وألبّي لهم/ أشتري اللعبة بل والثانية

هكذا قد وجدوا لي حيلة/ حين يشكون لـ«أمي الغالية»

وأطل الديوان في مجمله كحديقة غنّاء ازدانت باللحظات العفوية والتأملات التي تروّح عن النفس، وفتحت متنفسًا أراده الرمضان من خلال لوحات كوميدية تؤكد أن الضحك يمكن أن يكون علاجًا يطبب تعب النفس ويفتح لها شرفة تطل منها على الإيجابية والاستئناس.

ومنح الرمضان الأشياء الصامتة في «قلت ابتسم» حيوية وصوتًا، وأعطى المواقف العابرة حكاياتها الخاصة، فنسجها شعرًا كي لا تنسى، واستحضرها مع قارئه في تجربة تجعل من طبق الطعام، والموقف الأسري، والتفصيل اليومي الصغير، مادة قادرة على أن تتحول بين يدي الشاعر إلى قافية وضحكة وتأمل.



error: المحتوي محمي