04 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

التثاؤب المعدي… لماذا نتثاءب عندما يتثاءب الآخرون؟

يجلس شخصان يتحدثان، وفجأة يتثاءب أحدهما… وبعد ثوانٍ قليلة يجد الآخر نفسه يتثاءب أيضًا، وربما يتبعه ثالث. وقد يتساءل الإنسان: لماذا تثاءبت وأنا لم أشعر بالنعاس؟ وهل انتقل إليّ شيء من الشخص الذي بجانبي؟

هذه الظاهرة شائعة، وتُعرف باسم التثاؤب المعدي. وقد يكفي أحيانًا أن نرى شخصًا يتثاءب، أو نسمع صوته، أو حتى نتحدث عن التثاؤب، أو نشاهد شخصًا يتثاءب في التلفاز، حتى نشعر بالرغبة في التثاؤب.

لكن هل التثاؤب معدٍ فعلًا؟ وهل يمكن أن ينتقل عن طريق النفس أو الهواء؟

الحقيقة أن التثاؤب ليس عدوى تنتقل عن طريق الهواء أو النفس، ولا توجد مادة في نفس الشخص تجعل الآخرين يتثاءبون. وسُمّي «معديًا» لأنه قد ينتقل من شخص إلى آخر كاستجابة سلوكية، وليس كعدوى مرضية.

وهنا نقطة مهمة: العلم يعرف أن التثاؤب المعدي يحدث فعلًا، لكنه لا يملك حتى الآن تفسيرًا واحدًا نهائيًا له. ولذلك توجد عدة نظريات تحاول تفسيره، وكل واحدة منها تفسر جانبًا من الظاهرة، دون أن تكون هناك نظرية واحدة متفق عليها تشرحها جميعًا.

كما أن الاعتقاد القديم بأن التثاؤب يحدث للحصول على كمية أكبر من الأكسجين لم يعد التفسير المعتمد؛ فالدراسات لم تجد أن نقص الأكسجين يفسر زيادة التثاؤب.

لماذا نتثاءب عندما يتثاءب الآخرون؟
يرتبط التثاؤب المعدي باستجابة الدماغ للمثيرات الاجتماعية. فعندما نرى شخصًا يتثاءب، يعالج الدماغ هذه الحركة، وقد يستجيب لها بصورة تلقائية.

وقد دُرست في هذا المجال شبكات عصبية مرتبطة بمحاكاة حركات الآخرين، ومنها ما يرتبط بما يُعرف بـ الخلايا العصبية المرآتية، لكن لا يمكن القول إنها وحدها المسؤولة عن التثاؤب المعدي؛ فالآلية أكثر تعقيدًا وما زالت قيد البحث.
ويبدو أن للعامل الاجتماعي دورًا أيضًا؛ فقد وجدت بعض الدراسات أن التثاؤب المعدي قد يكون أكثر شيوعًا بين الأشخاص الذين تربطهم علاقات اجتماعية أو عاطفية أقرب، مثل أفراد العائلة والأصدقاء. لكن الدراسات ليست متفقة تمامًا على أن التثاؤب المعدي دليل على التعاطف، ولذلك لا يصح اعتباره اختبارًا للتعاطف أو دليلًا مؤكدًا على قوة العلاقة بين شخصين.

وتشير أبحاث أخرى إلى دور القشرة الحركية والشبكات المرتبطة بمحاكاة السلوك في هذه الاستجابة، مما يدعم فكرة أن التثاؤب المعدي قد يحدث بصورة تلقائية أكثر من كونه قرارًا واعيًا.

ومع ذلك، تبقى هذه التفسيرات محاولات لفهم الظاهرة وليست جوابًا نهائيًا؛ فحدوث التثاؤب المعدي أصبح معروفًا، أما لماذا يحدث بهذه الصورة تحديدًا فما زال سؤالًا مفتوحًا أمام البحث العلمي.

وهل كل الناس يتثاءبون بالدرجة نفسها؟
ليس بالضرورة. فقد يلاحظ بعض الأشخاص أنهم قليلًا ما يتثاءبون، بينما يتثاءب آخرون بصورة أكثر وضوحًا، وقد يختلف ذلك من شخص إلى آخر ومن وقت إلى آخر.

فالتثاؤب يتأثر بعوامل متعددة، منها النوم واليقظة والتعب والملل، وقد يحدث عند الاستيقاظ أو أثناء الانتقال بين النوم واليقظة، وأحيانًا مع التوتر أو من دون سبب واضح. كما قد تختلف الاستجابة عند مشاهدة الآخرين وهم يتثاءبون.

لذلك فإن قلة التثاؤب لدى شخص، إذا كانت طبيعته المعتادة ولا ترافقها أعراض أخرى، لا تعني بحد ذاتها وجود مشكلة صحية.

المهم ليس عدد مرات التثاؤب وحده، وإنما حدوث تغير واضح ومفاجئ في النمط المعتاد، أو ظهور أعراض أخرى معه.

هل للتثاؤب فوائد؟
التثاؤب استجابة جسدية معقدة، ترافقها تغيرات في التنفس ومعدل ضربات القلب وحالة اليقظة.

ويكثر عند التعب والنعاس، وكذلك عند الانتقال بين النوم واليقظة. وتشير إحدى النظريات إلى أن التثاؤب قد يساعد الجسم والدماغ على الانتقال إلى حالة أكثر يقظة وانتباهًا، وربما يكون جزءًا من آلية تساعد الدماغ على تنظيم حرارته. لكن هذه التفسيرات ما زالت موضع بحث، ولا يوجد تفسير واحد يفسر جميع حالات التثاؤب.

وقد يكون للتثاؤب دور آخر نلاحظه في حياتنا اليومية؛ فعندما نتثاءب تنفتح قناة استاكيوس التي تصل الأذن الوسطى بالبلعوم، مما يساعد على معادلة الضغط داخل الأذن. ولهذا قد يشعر الإنسان بالرغبة في التثاؤب أو يستفيد منه أثناء صعود الطائرة أو هبوطها وتغير الضغط الجوي.

هل التثاؤب خاص بالإنسان؟
التثاؤب ليس سلوكًا خاصًا بالإنسان؛ فهو موجود لدى كثير من الحيوانات أيضًا، وقد لوحظ التثاؤب المعدي لدى بعض الحيوانات الاجتماعية. وهذا يضيف جانبًا آخر من الغرابة إلى هذه الحركة البسيطة التي نمارسها جميعًا تقريبًا.

هل يمكن كبت التثاؤب؟
يمكن للإنسان أحيانًا تأجيل التثاؤب أو مقاومته لفترة قصيرة، خصوصًا في اجتماع أو مجلس. ولا توجد أدلة قوية على أن كبت تثاؤب واحد أو تأجيله لبضع لحظات يسبب ضررًا صحيًا لدى الشخص السليم.

لكن لا حاجة إلى مقاومته بالقوة أو حبس النفس. وإذا جاءت الرغبة في التثاؤب، فمن الطبيعي أن يسمح الإنسان لجسمه بإتمام هذه الاستجابة.

التثاؤب والآداب الاجتماعية
مع أن التثاؤب أمر طبيعي ولا إرادي، فإن طريقة التعامل معه من الآداب الاجتماعية التي ينبغي مراعاتها.

فإذا تثاءب الإنسان في مجلس أو أثناء حديث الآخرين، فمن الأدب أن يضع يده على فمه، ويخفض صوته، ويتجنب المبالغة في فتح الفم. فليس المطلوب أن نلوم الإنسان على تثاؤبه، وإنما أن نراعي الآخرين في طريقة التعامل معه.

متى ينبغي أن نقلق من كثرة التثاؤب؟
التثاؤب العابر أو المرتبط بالنعاس والتعب غالبًا أمر طبيعي. لكن ينبغي الانتباه إذا أصبح التثاؤب مفرطًا ومتكررًا دون سبب واضح، أو استمر لفترة ملحوظة، أو صاحبه نعاس شديد رغم الحصول على نوم كافٍ. عندها يُفضّل مراجعة الطبيب لتقييم السبب.

وقد يرتبط التثاؤب المفرط بقلة النوم أو بعض اضطرابات النوم، أو بعض الأدوية، وأحيانًا ببعض الحالات العصبية. لذلك لا يعني كثرة التثاؤب وحدها وجود مرض خطير، وإنما المهم هو التغير في النمط وتكرار الظاهرة والأعراض المصاحبة لها.

ويزداد الاهتمام الطبي إذا ترافق التثاؤب المتكرر مع أعراض أخرى، مثل الدوخة أو الإغماء، وضيق التنفس، أو ألم أو ضغط في الصدر، أو ضعف أو خدر مفاجئ في أحد أطراف الجسم، أو اضطراب مفاجئ في الكلام أو الرؤية، أو ارتباك وتغير غير معتاد في الوعي، أو صداع شديد وأعراض عصبية جديدة.

أما إذا ظهر التثاؤب بشكل مفاجئ مع أعراض عصبية خطيرة، مثل ضعف أحد جانبي الجسم، أو اضطراب الكلام، أو فقدان الوعي، فلا ينبغي الانتظار؛ بل يجب طلب الرعاية الطبية العاجلة.

تثاؤب واحد… ثم سلسلة من التثاؤبات
عندما يتثاءب شخص ثم يتبعه آخر وثالث، قد يبدو الأمر وكأن التثاؤب ينتقل بينهم، لكنه في الحقيقة استجابة عصبية واجتماعية؛ يرى الدماغ سلوكًا معينًا أو يسمعه، فيستجيب له بصورة لا إرادية.

واللافت هنا أن حدوث التثاؤب المعدي أصبح أمرًا معروفًا في العلم، لكن تفسيره النهائي لم يُحسم بعد. فهناك تفسيرات تتعلق بالتفاعل الاجتماعي ومحاكاة السلوك والانتباه، وأخرى تبحث في دور اليقظة وتنظيم حرارة الدماغ، لكن لا يوجد حتى الآن تفسير واحد نهائي يجمع كل هذه الجوانب.

وهذه الظاهرة البسيطة تفتح أمامنا بابًا جميلًا للتأمل في عظمة ودقة صنع الله تعالى في الإنسان. فهذا الجسد لا يعمل بمعزل عن محيطه، بل يلتقط إشارات دقيقة من حوله ويستجيب لها دون أن نشعر.

وقد لا يكون التثاؤب دليلًا بحد ذاته على وجود تناغم عاطفي بين شخصين، لكنه يكشف لنا نوعًا من التفاعل العصبي والاجتماعي الدقيق بين الإنسان ومن حوله.

وهنا يصف العلم ما استطاع فهمه، بينما يبقى في الظاهرة ما لم يُكشف سره بعد، وهذا التعقيد يفتح لنا باب التأمل في بديع صنع الخالق سبحانه وتعالى، قال تعالى:
﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ۝٢١﴾
سورة الذاريات: الآية 21

فكم من أسرار عظيمة تختبئ خلف حركة بسيطة نمارسها كل يوم!

التثاؤب قد يكون معديًا… من دون أن يكون مرضًا، ومن دون أن ينتقل شيء من إنسان إلى آخر؛ لكنه في الوقت نفسه نافذة صغيرة نطل منها على دقة خلق الإنسان وبديع صنع الله تعالى.


error: المحتوي محمي