03 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

سقوط الآداب أم سقوط الأقنعة؟! (7): كلما اقتربنا وجب أن نرفق

قد يتصور البعض من طرح مفهوم آداب وقيم علاقة الصداقة أنها مجموعة من التكلّفات التي تقيّدها، وتمنع أواصر القرب والمحبة والبساطة بعد أن أصبح التعامل بمبدأ التصنّع، وهذا غير صحيح وغير وارد في غرض تلك العلاقات والغايات منها، وإنما المراد بتلك الآداب والمطلوب في تلك الصداقة لصونها من عوامل العدم والخلاف وإحن القلوب وثقلها، هو أن الكلفة تسقط ويباعدان عنها دون أن يكون هناك اختراق لجدارية الاحترام وتقدير الآخر.

وأما إذا احتاجت الصداقة إلى جرح الكرامة والمشاعر لتثبت قوتها -كما يتصور البعض-، فقد تحولت الألفة حينئذ إلى تجاوز لا يُحمد عقباه، وقد يتبدل المشهد إلى خصومة تتلوها تباعد وفرقة.

وفي المقابل، فإن القرب والمودة إذا اجتمعا مع كمال الأدب والاحترام، ومبدأ توجيه النقد والنصيحة ووضع اليد على تقصير أو خطأ مع حفظ مشاعره وتقدير ظروفه، وكان بينهما المزاح وتفريج الهم بأجواء السرور دون مسّ بخصوصيته، فإن الصداقة ترتقي من مجرد علاقة اجتماعية يحكمها الاحتكاك والتقارب المكاني (الجيرة) والاختلاط في ذلك المحيط، إلى مدرسة أخلاقية يتعلم فيها الإنسان معنى المودة الحقيقية وكيفية المحافظة على ألق ورقي صداقاته.

فالصداقة ليست مساحة مغلقة من المسؤولية الأخلاقية التي يتحرك من خلالها الفرد كإنسان آلي، ولا هي بالمساحة المفتوحة لمزاولة كل ما يرتئيه ويتعامل به خارج حدود الأدب والاحترام، بل هي مساحة اجتماعية وأخلاقية تنتقل بتلك الصداقة من حدود الجمود والمجاملة المقبولة إلى عنق الأمانة وحفظ الآخر في شأنه وخصوصياته.

وعبارة «بين الأصحاب تسقط الآداب» تحتاج إلى تدقيق ونقد ومراجعة؛ لأنها قد تجعل الألفة بين الأصدقاء مبرراً لما لا يليق من التعامل المنفّر، وتحوّل الثقة -وهي عمدة تلك العلاقة- إلى باب للاستهانة والإساءة.

ومما ينبغي الالتفات إليه هو التدقيق في كثير من المفاهيم لئلا يقع الخلط بينها؛ فالارتياح النفسي والانبساط في الحديث والأريحية في التعامل مع الصديق، لا تبرر أبداً الوصول إلى مساحة التجاوز عليه وتجاهل كلامه وعدم الالتفات إليه أو القسوة في التعامل بدعوى الارتياح معه.

وكذلك مفهوم الصراحة والشفافية في التحاور والتخاطب والتعامل أمر جميل ومطلوب لتكوين صداقات فاعلة، ولكن تلك الصراحة تختلف تماماً في مؤداها وأثرها عن الفظاظة والكلام الجارح؛ فهناك فرق عميق بين أن تكون صريحاً مع صديقك من باب المودة له، وأن تجعل صراحتك وسيلة لجرحه وامتعاضه من أسلوبك الفظ.

فالأصدقاء الحقيقيون لا يقيسون علاقتهم بقدرتهم على تجاوز الحدود اللائقة، بل بقدرتهم على حفظ الحدود مع بقاء المودة واستشعار الآخر للمحبة وعدم المساس بمشاعره.


error: المحتوي محمي