في الأجزاء السابقة حاولنا أن نفهم لماذا لا تتوزع الأمراض بالتساوي على خريطة العالم، ورأينا أن المكان والمناخ والبيئة والغذاء ونمط الحياة والوراثة والعمر والرعاية الصحية، كلها تشترك في رسم هذه الخريطة.
لكن هناك مجموعة من الأمراض تستحق وقفة خاصة، لأنها تثير سؤالًا أكثر تعقيدًا:
لماذا تختلف أنواع السرطان وانتشارها من مجتمع إلى آخر؟ ولماذا نجد بعض الأمراض الوراثية أكثر شيوعًا في مناطق ومجتمعات معينة؟
الإجابة ليست بسيطة، ولا يمكن اختصارها في عامل واحد.
السرطان… مرض واحد أم أمراض كثيرة؟
عندما نقول «السرطان»، قد يبدو أننا نتحدث عن مرض واحد، لكنه في الحقيقة مجموعة كبيرة من الأمراض، تختلف في العضو الذي تصيبه، وفي طبيعتها، وفي عوامل الخطورة المرتبطة بها.
ولهذا فإن خريطة السرطان في العالم ليست واحدة.
فقد يكون نوع معين من السرطان أكثر شيوعًا في مجتمع، بينما يكون نوع آخر أكثر شيوعًا في مجتمع مختلف. وقد تتغير هذه الخريطة مع مرور الزمن عندما تتغير طريقة حياة الناس أو وسائل الوقاية والكشف المبكر والعلاج.
وهنا يظهر السؤال: لماذا؟
نمط الحياة والغذاء والبيئة
جزء من الإجابة يرتبط بحياة الإنسان اليومية.
فالغذاء، والنشاط البدني، والوزن، والتدخين، والتعرض لبعض المواد الضارة، إلى جانب بعض العوامل البيئية والمهنية، يمكن أن تؤثر في خطر الإصابة بأنواع معينة من السرطان.
ولهذا قد نلاحظ اختلافًا في بعض أنواع السرطان بين المجتمعات التي تختلف في نمط غذائها أو عاداتها أو ظروفها البيئية.
كما أن التلوث والتعرض لبعض المواد الكيميائية أو الملوثات المهنية قد يكون له دور في بعض السرطانات.
وهنا نعود إلى الفكرة التي رافقتنا منذ بداية هذه السلسلة: المرض لا يعيش منفصلًا عن الإنسان والبيئة التي يعيش فيها.
وهناك عامل آخر يمكن أن يغيّر خريطة بعض السرطانات في منطقة معينة، وهو التعرض للإشعاع المؤين.
فقد تؤدي الحوادث النووية أو بعض مصادر التعرض البيئي للإشعاع المؤين إلى زيادة خطر بعض أنواع السرطان، بحسب مقدار التعرض ونوع الإشعاع والعمر ومدة التعرض. وقد لا يظهر أثر التعرض مباشرة، بل قد يحتاج إلى سنوات أو عقود قبل أن يظهر في صورة زيادة في بعض السرطانات.
وهنا نرى كيف يمكن لحدث بيئي أن يترك أثرًا على خريطة المرض في مجتمع معين. فإذا زال مصدر التعرض وانخفضت مستويات الإشعاع في البيئة، فإن التعرض المستمر قد ينخفض، لكن آثار التعرض السابق لا تختفي بالضرورة فورًا؛ لأن بعض السرطانات المرتبطة بالإشعاع لها فترة كمون طويلة.
لكن البيئة ونمط الحياة لا يفسران كل شيء.
العمر والوراثة والاستعداد الجيني
العمر عامل مهم أيضًا. فمع تقدم الإنسان في العمر تزداد فرصة حدوث تغيرات في الخلايا، ولذلك تختلف خريطة السرطان باختلاف التركيبة العمرية للمجتمع.
لكن هناك جانبًا آخر أكثر تعقيدًا، وهو الاستعداد الجيني.
فبعض الأشخاص يحملون تغيرات جينية موروثة قد تزيد من احتمال الإصابة بأنواع معينة من السرطان. وهذا لا يعني أن الشخص سيصاب بالمرض حتمًا، وإنما قد يكون أكثر استعدادًا من غيره.
ومن هنا يجب أن نفرق بين السرطان الوراثي وبين السرطان الذي يحدث نتيجة تراكم عوامل متعددة خلال حياة الإنسان.
وهذا التفريق مهم؛ لأن وجود السرطان في عائلة ما لا يعني بالضرورة أن المرض سينتقل إلى جميع أفرادها.
الأمراض الوراثية… لماذا تتركز في بعض المجتمعات؟
إذا انتقلنا من السرطان إلى الأمراض الوراثية، فإن السؤال يصبح أكثر وضوحًا:
لماذا نجد مرضًا وراثيًا معينًا أكثر شيوعًا في مجتمع أو منطقة معينة، بينما يكون نادرًا في مجتمع آخر؟
ومن الأمثلة الواضحة على ذلك فقر الدم المنجلي والثلاسيميا؛ فكلاهما قد يكون أكثر شيوعًا في مناطق ومجتمعات معينة، بينما يكون أقل انتشارًا في مجتمعات أخرى. وهذا يوضح كيف يمكن للتاريخ الوراثي للسكان وانتقال بعض التغيرات الجينية عبر الأجيال أن يرسم جزءًا من خريطة المرض.
ويرتبط انتشار بعض هذه الأمراض بالتاريخ الوراثي للسكان، وحجم المجتمع، ومدى اختلاطه بالمجتمعات الأخرى، وطريقة انتقال الجينات عبر الأجيال.
وقد يؤدي بقاء مجموعة سكانية لفترات طويلة ضمن نطاق جغرافي أو اجتماعي محدود إلى زيادة انتشار بعض التغيرات الجينية داخلها.
كما أن زواج الأقارب قد يزيد احتمال ظهور بعض الأمراض الوراثية المتنحية عندما يحمل الزوجان التغير الجيني نفسه، ولذلك تكون بعض الأمراض الوراثية أكثر حضورًا في مجتمعات تنتشر فيها هذه الزيجات.
لكن من المهم التأكيد أن زواج الأقارب لا يعني أن كل زواج من الأقارب سيؤدي إلى مرض وراثي، وإنما قد يزيد احتمال ظهور بعض الأمراض في ظروف وراثية معينة.
لماذا تختلف الخريطة بين مجتمع وآخر؟
عندما نجمع هذه العوامل، تبدأ الصورة بالوضوح.
فالسرطان والأمراض الوراثية لا تتوزع عشوائيًا، ولا يحدد انتشارها عامل واحد.
هناك الوراثة، والعمر، والغذاء، ونمط الحياة، والبيئة، والعادات الاجتماعية، والتاريخ السكاني، ومدى اختلاط المجتمعات، ومستوى الوقاية والكشف المبكر والرعاية الصحية.
وقد تتداخل هذه العوامل مع بعضها بطريقة تجعل من الصعب تحديد السبب الحقيقي وراء ارتفاع مرض معين في منطقة دون أخرى.
وهنا تظهر نقطة مهمة سبق أن أشرنا إليها في الجزء السابق: ليست كل أسباب اختلاف الأمراض معروفة حتى الآن.
فقد يكتشف العلم عاملًا جديدًا بعد سنوات من البحث، وقد تتغير نظرتنا إلى مرض كنا نظن أننا نفهم أسبابه بشكل كامل.
وهذا لا يعني أن الطب عاجز، بل يعني أن العلم بطبيعته يتقدم بالسؤال والبحث والاكتشاف.
خريطة المرض… أربعة محاور لفهم الصورة
عندما ننظر إلى هذه السلسلة كاملة، نجد أننا تناولنا أربعة محاور رئيسية لفهم خريطة المرض في العالم.
بدأنا أولًا بالسؤال: هل الأمراض واحدة في كل العالم؟ لنعرف أن الأمراض قد توجد في مختلف المجتمعات، لكن معدلاتها وأنواعها وشدتها تختلف من مكان إلى آخر.
ثم انتقلنا إلى المحور الثاني: لماذا تختلف الأمراض من بلد إلى آخر؟ وتناولنا فيه البيئة والمناخ والغذاء والماء ونمط الحياة والوراثة والعمر والعوامل الاجتماعية والاقتصادية والرعاية الصحية.
وفي المحور الثالث سألنا: لماذا تتركز بعض الأمراض في مناطق دون أخرى؟ وتوقفنا عند الجغرافيا والمناخ والمياه والبيئة والناقلات، وكيف يستطيع الإنسان من خلال الوقاية وتحسين الخدمات الصحية أن يغير خريطة المرض.
أما المحور الرابع، وهو موضوعنا هنا، فتناولنا فيه السرطان والأمراض الوراثية؛ لأن اختلافها بين المجتمعات يكشف بصورة أوضح عن التداخل بين الوراثة والعمر والغذاء ونمط الحياة والبيئة والتاريخ السكاني.
وهذه المحاور الأربعة لا تعني أننا ذكرنا كل مرض في العالم، فهذا يحتاج إلى كتب ودراسات متخصصة، وإنما تناولنا العمود الفقري لخريطة المرض والعوامل الأساسية التي تساعدنا على فهمها.
هل خريطة المرض ثابتة؟
من الخطأ أن نتعامل مع خريطة المرض على أنها صورة ثابتة.
فمع تغير نمط الحياة والغذاء، وارتفاع متوسط العمر، وتغير البيئة، وانتشار بعض السلوكيات أو تراجعها، وتحسن الكشف المبكر والعلاج، يمكن أن تتغير معدلات وأنواع الأمراض التي نراها في المجتمع.
ولا تقتصر هذه الخريطة على الأمراض المعدية والسرطان والأمراض الوراثية والأمراض المزمنة، بل تشمل أيضًا الأمراض النفسية والعصبية، والأمراض المهنية، والأمراض المرتبطة بالعمل والبيئة، وغيرها من الأمراض التي تتأثر بظروف المجتمع وحياة أفراده.
كما أن الحروب والهجرة والكوارث والتغيرات البيئية والمناخية قد تؤثر في خريطة المرض، فتظهر بعض الأمراض أو تتغير معدلاتها عندما تتغير ظروف الناس.
ولهذا فإن خريطة المرض خريطة متحركة وليست ثابتة.
خريطة المرض… قصة الإنسان والمجتمع
بعد هذه الأجزاء الأربعة، ربما نصل إلى نتيجة مهمة:
خريطة المرض ليست خريطة جغرافية فقط، بل هي خريطة لحياة الإنسان.
فالمكان يؤثر، والمناخ يؤثر، والغذاء يؤثر، ونمط الحياة يؤثر، والوراثة تؤثر، والعمر يؤثر، والمجتمع يؤثر، والرعاية الصحية تؤثر.
ومع ذلك، تبقى هناك أمراض واختلافات لم يجد العلم لها تفسيرًا كاملًا حتى الآن.
ولهذا فإن السؤال الطبي لا ينبغي أن يكون فقط: أين ينتشر المرض؟
بل أيضًا: لماذا ينتشر هنا أكثر من هناك؟ وما العوامل التي تقف وراء ذلك؟ وهل نعرفها جميعًا؟
وربما تكون هذه الأسئلة هي التي تدفع العلم إلى الأمام؛ فكل خريطة غير مفهومة تمامًا قد تخفي وراءها قصة لم تُكتشف بعد.
وفي النهاية، فإن فهم خريطة المرض لا يهدف إلى معرفة أين يكثر المرض فقط، وإنما إلى معرفة كيف يمكن أن نمنعه، وكيف نكتشفه مبكرًا، وكيف نحسن صحة الإنسان أينما كان.
وبذلك نكون قد مررنا عبر أربعة محاور مترابطة رسمت لنا الصورة العامة لخريطة المرض في العالم: وجود الأمراض واختلافها، وأسباب اختلافها بين البلدان، وأسباب تركزها في مناطق معينة، ثم السرطان والأمراض الوراثية بوصفهما نموذجًا أكثر تعقيدًا لهذا الاختلاف.
وربما تكون أجمل خلاصة لهذه الرحلة أن المرض ليس مجرد اسم نكتبه في ملف طبي، ولا رقمًا يظهر في إحصائية، وإنما هو نتيجة تفاعل طويل بين الإنسان وما يحيط به.
فكل مجتمع له ظروفه، وكل إنسان له تاريخه الوراثي ونمط حياته وبيئته وعمره، ولذلك تختلف خريطة المرض من مكان إلى آخر ومن زمن إلى آخر.
وكلما فهمنا هذه الخريطة بصورة أفضل، أصبحنا أكثر قدرة على الوقاية، وأدق في التشخيص، وأسرع في اكتشاف المرض، وأكثر قدرة على توجيه جهودنا الصحية إلى المكان الذي تكون فيه الحاجة أكبر.
وهكذا تنتهي رحلتنا في «خريطة المرض في العالم»، لكنها لا تنتهي عند هذا الحد؛ لأن خريطة المرض ستبقى تتغير مع تغير الإنسان والبيئة والعلم.
وما نعرفه اليوم قد يكون بداية لسؤال جديد غدًا.
وهذا هو جمال الطب والعلم: أن كل إجابة قد تفتح بابًا لسؤال جديد، وكل سؤال قد يقودنا إلى فهم أعمق للإنسان.



