تذكّرتُ سوق السمك القديم، حين هبّت رائحة السمك وأنا أعبر طريق الكورنيش في القطيف، قرب السوق الجديد. نعم، هي رائحة محببة لرجل من الساحل، رائحة ترتبط بفرحةٍ قديمة: أن أعود إلى البيت، فأرى على سفرة الطعام طبقًا من السمك، إلى جواره رز أبيض بالدهن، وحشائش خضراء تعبق برائحة مزارعنا.
كان سوق السمك القديم بالقطيف جزءًا من الذاكرة، لا يمكن لأي بناء حديث أن ينتزع مكانه. هناك، حيث حكايات الزبائن والباعة، ومفاوضات الأسعار، وحلف اليمين من البائع ليقنعك أن هذا الهامور الراقد على الصينية قد خرج لتوه من البحر، وفي عينيه بريق كأنه يريد أن يخبرك بسرّ من الأسرار، لكنه لا يقدر أن يبوح.
وفي ذلك السوق أتذكّر المرحوم أبي، وهو ممسك بيدي وأنا طفل صغير، وكان يأخذني معه في مشواره الصباحي للتبضع بين سوق السمك والخضار.
وأسمع حديثه مع البائع، الذي يوصيه أبي بسمك الحيسون إن توفر ذلك اليوم، لأنه كان يحب هذا النوع من السمك المقرمش بعد القلي. وكان أبي رحمه الله يقول مازحًا: «هذا هو بسكويتنا، وأنتم لكم بسكويتكم»
في العادة نختار بائعًا بعينه، نرتاح له، ونعتمد عليه. نعرفه ويعرفنا. وحين نسأله عن نوع معين، قد يقول لنا: «هذا مو أكلك اليوم». عبارة فهمتُ منها أن بعض الأنواع لا تكون مما اعتاد الزبون شراءه؛ فإذا اعتاد على نوعٍ معيّن، فلن يبيعك البائع هذا السمك المتوفر اليوم، وهو بدرجة أدنى من الذي تشتريه في العادة. الصافي مثلًا الذي يُصاد بالغزل غير الصافي بالقرقور، ولكل نوع سعره، أما عشقنا فهو صافي تاروت.
أهل الخبرة لهم طريقتهم في معرفة السمك الطازج. رأيتُ بعضهم يتفحص عين السمكة، وآخر يفتح اللغن (الخيشوم)، وبعضهم يعتمد على الشم واللمس.
كان الباعة يحرصون على إرضاء زبائنهم المعتادين، خاصة من يشتري بكميات كبيرة. لكن حتى هؤلاء لا يسلمون من المفاجآت، إذ قد لا يكون السمك بالمستوى المطلوب. وعن الطبخ والإعداد، يتعارف الأهالي عبر الأجيال على طريقة تحضير وطبخ الأسماك بما يناسب كل نوع؛ فهذا للقلي، وآخر للشوي، ونوع يُطهى في الفرن. فتصبح تلك الطريقة كأنها تقاليد.
في العمل يسألني الزملاء من مناطق مختلفة ومن جنسيات آسيوية عن سوق السمك الكبير، وعن تنوعه، إذ كانت شهرة السوق قد ملأت الآفاق، ومن هناك أوصاني كثيرون بأن أجلب لهم سمكًا من القطيف، بعدما سمعوا بما يُباع فيه من طيب الأنواع.
أما حين التقيت بأحد الباعة وتحدثنا عن السوق والأسماك، لاحظت أن الرجل يتحدث بشوق كبير إلى سوق السمك زمان، فقال: كان السوق القديم قريبًا من القرى ومن البيوت، كل الناس تأتي إلينا، الآباء والشباب، وكبار السن، والنساء والأطفال ممن يسكنون قرب السوق، وكانت الأسعار في متناول اليد. ثم قال البائع: لا شيء يبقى على حاله، وتلك طبيعة الحياة.



