ما كانت البساتين عند هل القطيف مجرّد أرض ورقعة خضرا، يزرعها الفلاح عشان يترزق الله وبس، لا والله… كانت محراب للجمال، ومقر للروح، وذاكرة حيّة تتنفس طهر وألفة.
هنا، وين تتشابك «أثمار النخيل» ويا زهر «الرازقي»، انولدت علاقة أزلية بين الابن وأرضه؛ علاقة ما تنقاس بالسنين، تنقاس بنبضات القلوب اللي ربت على ريحة «المشموم» وعبق الصبح.
من زمان قديم، كان الفلاح القطيفي إذا دش «نخله» أو «داليته»، ما يشوف الشجر مجرد جذع وثمر؛ يشوفه أهل وجيران. كانت الوردة جارة النخلة، والريحان يفرش الماي على جوانب السواقي، وينساب عبير المكان مع ماي العيون العذبة قبل تشرق الشمس.
بهالأرض، ما زرعوا الورد للزينة وبس، ولا للتجارة العابرة؛ زرعوه عشان يكون لغة تنقال يوم تعجز الحروف، ورمز للطف اللي انعجن فيه طبع هالوحة من زمان.
ولأن الورد كان حاضر في تفاصيل الحياة، امتزج بطقوس الفرح وأهازيج التراث. في ليالي «الجلوة» والأعراس القطيفية القديمة، ما كانت العروس تزف إلا وبين يديها وعلى جيدها أفانين الريحان والرازقي، تتدلى مثل عقد الجوهر، وتفوح منها ريحة البركة والوفاء.
وكان «الطل» اللي يداعب جفون الورد وقت الفجر، صبحية دافئة يتبادلها الناس، حتى صارت عبارة «طل وندى» في قاموسهم الشعبي ردًا على الكلام اللي ما يتصدق من حلاوته ورقته.
ولأن ابن الواحة يتنفس لغة أرضه ويشكل مفرداته من تفاصيل نخيلها، كان يعرف يتخير كلامه بدقة؛ فمقابل هالعذوبة، كان يطلق على الكلام الفاضي أو الكذب الصريح مصطلحات مثل «شَلْخة» و«جِزمة»—وهي بقايا خشب النخل اليابس والميت—وكأنه يقول إن القول اللي يخلو من الصدق هو كلام جاف وميت، ما فيه روح ولا ينبت خضرة، تماماً مثل تلك الجذوع اليابسة.
أما الشعر والأدب القطيفي، ففاض من هالعبير. ما كان الشاعر يحتاج خيال بعيد يوصف به الحبيبة أو الوطن؛ كان يكفيه يلتفت حوله ويقول: «يا ريحانتي من هالدنيا»، فتختصر هالكلمة كل معاني النضارة والرقة والأصل الأصيل.
صاغوا أهل القطيف كلامهم ونثرهم من وحي الندى المتساقط على ورق «الرازقي»، ونسجوا من خضرة بساتينهم طبعهم السمح، وكلمتهم اللطيفة، وميلهم الفطري للجمال.
وهاللطف القطيفي الشهير ما جا بين يوم وليلة، ولا قفز على التاريخ؛ هذا نتاج حضارة وعشرة طويلة ويا جمال الطبيعة، وثمرة أرض شربت العذوبة وأعطت الورد.
عشان كذا، تظل بساتين القطيف أكثر من نخيل وشجر وماء. تظل شاهد حي على إن الجمال، يوم يتجذر في أرض، يصير هوية للإنسان؛ وإن عبير الورد والرياحين، إذا سكن الذاكرة، ما يذبل بانقضاء البساتين.
ويبقى من تلك الأرض شيء ما ينقطع…
ريحة مشموم،
نفحة رازقي،
بلل طل على ورقة،
وذكرى فلاح قطيفي دش بستانه قبل الشمس، فعاد منه ومعه شيء من عطر الأرض.



