21 , سبتمبر 2026

القطيف اليوم

الجامور.. اسمٌ له حكاية، أم اسمٌ أسقطناه على عمارة القطيف؟ ((2))

مقدمة:

من خلال تدوين وتوثيق وتصوير العمارة التقليدية في واحة القطيف، تشاهد تفاصيل تجبرك على التوقف وتأملها ودراستها، من حيث موقعها، وشكلها، ومقاساتها، وموادها، وعلاقتها ببقية العناصر المعمارية، ومن بين هذه التفاصيل الجزء البارز أعلى القبة أو المأذنة !؟ فالشكل وحده لا يكتمل فهمه دون معرفة اسمه ووظيفته وتاريخه، وهذا ما يدفعني دائماً إلى البحث والسؤال والتقصي والتحليل، ومن ذلك التواصل مع الباحثين، وأصحاب التجربة والمعرفة، والمشار إليهم بالعمق في البحث العلمي الرصين، ومن هؤلاء الأستاذ موسى الرضوان، الذي كان يتابع ما أنشره ويقرأه بعناية، ويرسل مداخلاته وتعليقاته، ويضيف من معرفته وخبرته ما يفتح أمام البحث أبواباً جديدة.

ومن المصطلحات التي استوقفتني طويلًا، وبذلت في البحث فيها وقتاً، اسم ذلك الجزء الذي يوضع في أعلى قمم القباب أو المآذن في واحة القطيف ! ما اسمه؟ وهل له تسمية محلية؟ وهل هو عنصر زخرفي فقط ! أم أن وراء موقعه وشكله ووظيفته دلالة أقدم؟

وأثناء البحث توصلت لمصطلح:

الجامور، ومن هنا بدأت الحكاية.

الجامور ! من أين جاء الاسم؟

ترد مادة «جَمَر» في المعاجم العربية بمعانٍ متعددة، ولا يكفي التشابه الصوتي وحده لإثبات أن لفظ «الجامور» مشتق منها مباشرة أو أن معناه الأصلي هو القمة، وفي الاستعمال المعماري، أُطلق الجامور على العنصر الذي يتوج أعلى المئذنة أو القبة، واتخذ أشكالاً متعددة، منها الكرات أو التفاحات المتتابعة، والعناصر المعدنية أو الفخارية، والتكوينات الهرمية أو المخروطية، وقد ينتهي أحياناً بالهلال أو الحلقات المفرغة.

وهنا ينبغي التفريق بين أصل الكلمة لغوياً وبين وظيفتها في العمارة، فكون الجامور يوضع في القمة يفسر موقعه المعماري، لكنه لا يكفي وحده لإثبات اشتقاق الاسم، كما أن الجامور ليس شكلاً واحداً ثابتاً، فقد اختلف باختلاف البيئات والطُرز ومواد البناء.

اسم واحد ومواقع مختلفة

رأس النخلة، وساري السفينة، وقمة المئذنة

عندما نضع هذا المصطلح في بيئة القطيف، يأخذ الموضوع بعداً آخر، فالقطيف عاشت تاريخها بين النخلة والبحر والعمران، النخلة ترتفع بجذعها حتى رأسها، حيث تتجمع سعفاتها، والسفن يعلوها الساري، يحمل الشراع ويصبح علامة يمكن رؤيتها من بعيد، ثم تأتي المئذنة في المشهد العمراني، ترتفع فوق البيوت وتنتهي بقمتها:

رأس النخلة،
ساري السفينة،
قمة المئذنة والقبة.

ثلاث صور مختلفة في الوظيفة، لكنها تلتقي بصرياً في الارتفاع والقمة والعلامة، وهذا الربط قراءة تأملية بصرية، وليس ادعاءً بوجود أصل لغوي مشترك أو تأثير مباشر بينها، فذلك يحتاج إلى دليل تاريخي أو شهادة من الباحثين وأهل الخبرة كالبنّائين، لكن التأمل في هذه الصورة يفتح باباً مهماً لفهم علاقة العمارة بالبيئة التي نشأت فيها.

هل كان للقطيف جامورها الخاص؟

عند تأمل بعض نماذج العمارة التقليدية في واحة القطيف، تظهر نهايات مستدقة أو مخروطية تشبه السهم أو الرمح، وهذا يختلف عن صورة الجامور ذي الكرات المعدنية المتدرجة المعروفة في بعض البيئات الإسلامية، لكن اختلاف الشكل لا يعني بالضرورة اختلاف الوظيفة، فقد يكون عنصر التتويج واحداً في وظيفته، مختلفاً في صيغته.

والسؤال الأهم هنا:

هل كان البنّاء القطيفي نفسه يستخدم كلمة «جامور»؟

هذه مسألة تحتاج إلى شاهد محلي، من وثيقة، أو صورة موصوفة، أو رواية حرفية مسجلة، أو مصطلح بقي في ذاكرة البنائين، فليس كل مصطلح نستخدمه اليوم بالضرورة هو الاسم الذي كان متداولاً قديماً.

بيت الجشي وبيت الدعلوج

في بيت الجشي وبيت الدعلوج، كما في غيرهما من البيوت التقليدية (التي تسنى لي في رؤية المباني التي تعلوها الجامور)، تظهر قيمة التفاصيل الصغيرة في تشكيل هوية المبنى، من الأقواس والفتحات والزخارف الجصية والأخشاب إلى نهايات العناصر المعمارية، فالحرفي لم يكن يهتم بالكتلة الكبرى وحدها، بل بكيفية اكتمال العنصر ونهايته، ومن هنا يصبح البحث عن أسماء هذه التفاصيل جزءً من توثيق العمارة نفسها.

ما اسم هذه النهاية؟
هل كانت جاموراً؟
أم أن للبنّاء القطيفي تسمية أخرى؟

السؤال مفتوح، والإجابة تحتاج إلى شاهد.

مسجد المنارة، الشاهد الأبرز

ومن أبرز النماذج التي تقودنا إلى هذا السؤال مسجد المنارة، أو مسجد أبو منارة، في قلعة القطيف، المعروف باسم جامع فيصل بن تركي.

ارتبط المسجد بمنارة شامخة كانت من أبرز معالم قلعة القطيف بفريق الخان، وتُذكر لها أبعاد كبيرة وارتفاع شاهق في الروايات المحلية، إلا أن هذه التفاصيل تحتاج إلى إحالات تاريخية أو هندسية دقيقة، وكانت المنارة حاضرة في أفق القطيف، شأنها شأن العلامات المرتفعة في البيئة، النخلة في الواحة والساري فوق السفينة.

وتشير الصور والروايات المتداولة إلى نهاية مستدقة للمئذنة، تتجه إلى أعلى في تكوين يشبه السهم أو الرمح، وهنا تحديداً يصبح السؤال أكثر إثارة:

هل كانت هذه النهاية هي الجامور؟ أم أن لها اسماً قطيفياً آخر؟

لا ينبغي أن نسبق الدليل.

محمد سعيد المسلم وذاكرة المنارة

كان المؤرخ والأديب الراحل محمد سعيد المسلم رحمه الله (1922–1994م) من المهتمين بتوثيق تاريخ القطيف وتراثها، وترك مؤلفات مهمة، منها «القطيف: واحة على ضفاف الخليج» و«ساحل الذهب الأسود».

وتزداد قيمة هذه التوثيقات اليوم لأن عدداً من المباني التي تحدث عنها لم يعد قائماً، ومن هنا تأتي أهمية العودة إلى كتبه وتحديد المواضع والصفحات التي تناولت مسجد المنارة ومنارته، بدل الاكتفاء بالإحالة العامة إلى الكتاب.

فالصورة، والوصف، والاسم، والرواية، كلها تصبح وثائق حين يختفي المبنى، منارة اختفت، وربما اختفت معها أسماء، مع مرور الزمن تعرضت أجزاء من المنارة والقلعة للتدهور والاندثار، ثم أزيلت أجزاء من القلعة في ثمانينيات القرن الماضي، ومع فقدان المبنى قد نفقد تفاصيل إنشائية وزخرفية وحرفية، وربما مصطلحات محلية كانت متداولة بين البنائين والحرفيين، ولهذا فإن توثيق العمارة لا ينبغي أن يقتصر على تصوير المبنى، بل يشمل:

اسمه، وأسماء أجزائه، ومواد بنائه، وطريقة صنعه، ووظيفته، وروايات أهله.

فالمبنى له لغة، وإذا لم نسجل مفرداتها فقد نفقد جزءً من معناه.

من البحر إلى الواحة إلى المسجد

ربما يكون أجمل ما في هذا البحث أن الجامور يعيدنا إلى صورة القطيف القديمة:

النخلة في الواحة،
والسفينة في البحر،
والمئذنة في البلدة.

ثلاثة عناصر مختلفة في الوظيفة، لكنها تلتقي بصرياً في الارتفاع والعلامة والقمة، ولا يعني هذا وجود علاقة تاريخية مباشرة بينها، وإنما هي قراءة تأملية لعناصر عاشت مع الإنسان القطيفي في المشهد نفسه، وهنا تظهر قيمة العمارة التقليدية، فهي لا تنفصل عن البيئة التي نشأت فيها، ولا عن حياة الإنسان الذي بناها وعاش فيها.

الجامور… اسم له حكاية

كلما بحثنا في مصطلح معماري قديم، اكتشفنا أن وراءه طبقات من الحكاية، والجامور واحد من هذه المصطلحات، فقد أصبح في الاستعمال المعماري اسمًا لعنصر يتوج المئذنة أو القبة، لكن أصل اللفظ وتاريخ انتقاله إلى هذا الاستعمال يحتاجان إلى دراسة لغوية وتاريخية دقيقة.

أما في القطيف، فالسؤال أكثر تحديدًا:

هل كان هذا هو الاسم الذي استخدمه البنّاء القطيفي؟

هنا تبدأ مرحلة أخرى من البحث: الصور القديمة، والوثائق، والمخطوطات، والصكوك، والروايات الشفوية، وذاكرة البنائين والحرفيين، وربما تكون الإجابة محفوظة في كلمة قالها أحد البنائين قديماً، أو في مصطلح تناقلته أسرة من الحرفيين، ولم يصل إلى كتب العمارة.

خاتمة

ربما لا يكون السؤال الأهم:

هل هذا العنصر جامور أم ليس جامورًا؟

بل: ما اسمه عند أهل القطيف؟ ومن أين جاء هذا الاسم؟ ولماذا اتخذ هذا الشكل؟

فالجامور في الاستعمال المعماري عنصر تتويج، وقد اختلف شكله من بيئة إلى أخرى، أما العمارة القطيفية فتحتاج إلى قراءة أقرب إلى المكان، والبحث عن لغتها ومصطلحاتها المحلية.

فالاسم ليس مجرد كلمة، والشكل ليس مجرد زخرفة، والقمة ليست مجرد نهاية للمبنى، وربما كان ما نراه فوق المئذنة أو القبة يحمل شيئاً من صورة المكان نفسه:

رأس نخلة في واحة،
وساري سفينة في بحر،
ورأس مئذنة في سماء واحة القطيف.

ثلاثة مشاهد مختلفة، تلتقي في معنى واحد:

الارتفاع… والعلامة… والقمة.

وهنا يبقى السؤال مفتوحاً:

الجامور
اسمٌ له حكاية، أم أن لعمارة القطيف حكاية أخرى لم نكتشف اسمها بعد؟

Uploaded Image

Uploaded Image


error: المحتوي محمي