من الأمور التي تبعث على الحزن أن ترى إنسانًا يمر بمشكلة لا يستطيع فهمها أو التعبير عنها، وخاصة عندما يكون هذا الإنسان أبًا رُزق بطفل جميل مكتمل النمو الجسدي، لكنه يعاني من إعاقة ذهنية تؤثر في إدراكه وسلوكه وقدرته على التعلّم والتفاعل مع من حوله.
كانت قصة سعيد واحدة من تلك القصص التي بدأت منذ طفولته، حين ظهرت عليه تصرفات غير مألوفة أثارت حيرة أسرته ومدرسته، بينما ظل والده يرفض في البداية أن يصدق أن ابنه يحتاج إلى رعاية وتشخيص متخصص.
كان سعيد يعاني من اضطرابات واضحة في سلوكه وإدراكه. ومن النظرة الأولى إلى تصرفاته، كان من السهل ملاحظة أنه يختلف عن أقرانه، فقد كان يقوم ببعض السلوكيات غير المعتادة بالنسبة إلى طفل في مثل سنه.
يقول أحد معلميه:
لقد لاحظنا على سعيد بعض التصرفات غير المعتادة منذ الصف الأول الابتدائي. كان كثير الحركة، يتحدث مع نفسه، ويصدر أحيانًا أصواتًا غريبة، ويضحك بطريقة لا تتناسب مع الموقف. ومع مرور الوقت، استمرت هذه التصرفات، بل ازدادت حدتها.
في البداية، كنا نظن أن الأمر لا يتجاوز كونه شغبًا أو فرطًا في الحركة وتشتتًا للانتباه. ولذلك كنا نحاول التعامل معه بالحزم، حتى وصل الأمر في بعض الأحيان إلى استخدام العقاب، بسبب ما كان يسببه من إزعاج داخل الفصل وتشويش على بقية الطلاب.
ثم اضطررنا إلى استدعاء ولي أمره إلى المدرسة لمناقشة هذه السلوكيات معه. وكان الغريب أن والده لم يُبدِ استغرابًا كبيرًا مما أخبرناه به، بل كان يبرر تصرفات ابنه قائلًا إن سعيد لا يزال طفلًا، وإن بعض هذه التصرفات تصدر من الأطفال.
وفي أحد الأيام، وقع حادث جعلنا نقف مدهوشين منه.
اعتدى سعيد على أحد الطلاب بالضرب، فأصابه في رأسه إصابة بالغة استدعت نقله إلى المستشفى، حيث احتاج الجرح إلى عدة غرز.
استُدعي والده إلى مكتب مدير المدرسة.
دخل أبو سعيد الغرفة مسرعًا، ودون أن يخفي انزعاجه قال بلهجة حادة:
أنا رجل مشغول ولدي عمل، ومن غير المقبول أن يتم استدعائي في كل مرة. هل حدث شيء جديد مع سعيد؟ وهل يمكننا أن ننهي هذا الموضوع؟ لا أعتقد أن المدرسة كلها ليس فيها إلا ابني حتى يتم استدعائي بسبب كل تصرف يصدر منه!
كان مدير المدرسة رجلًا هادئًا وحكيمًا، فلم ينفعل أمام غضب الأب، بل رحب به وأشار إليه بالجلوس، وقال:
أرجو أن تجلس يا أبا سعيد. نحن هنا نهتم بجميع أبنائنا، وما يهمنا قبل كل شيء هو مصلحة ابنك وسلامته وسلامة زملائه في المدرسة.
جلس أبو سعيد على مضض، وبدا عليه الاستعجال والرغبة في إنهاء اللقاء بأسرع ما يمكن.
طلب المدير من أحد المعلمين إحضار الطالب المصاب.
دخل المعلم وبرفقته طفل يضع ضمادًا حول رأسه، وكانت آثار البكاء لا تزال واضحة على وجهه.
نظر أبو سعيد إلى الطفل باستغراب.
أشار مدير المدرسة إلى الطالب وقال:
هذا الطفل أصيب بسبب ابنك. هل ترى ما حدث له؟ هل يعجبك هذا؟
ابتلع أبو سعيد ريقه، وبدت على وجهه علامات الصدمة والانكسار. اقترب من الطفل وقال:
ما بك يا بني؟ هل سعيد هو من فعل بك هذا؟
وكأنه كان بحاجة إلى سماع الإجابة بنفسه حتى يصدق ما حدث.
وبعد لحظات، دخل أحد المعلمين برفقة سعيد.
كان سعيد يردد بصوت مرتفع:
أريد الكرة… أريد الكرة…
وكان يتحرك بصورة غير منتظمة، وكأن شيئًا آخر يشغل تفكيره تمامًا.
وقف أبو سعيد، وحدق في ابنه، ثم صاح:
سعيد! ما الذي فعلته؟ هل أنت من فعل هذا؟
وأشار بيده إلى الطفل المصاب.
لكن سعيد لم يفهم ما يريده والده، بل بدأ يضحك بصوت مرتفع، وأخذ يكرر:
أريد أن ألعب بالكرة… أريد الكرة…
في تلك اللحظة، شعر الأب بشيء ينهار داخله.
لم يعد يرى أمامه مجرد طفل مشاغب كما كان يعتقد، بل بدأ يدرك أن هناك أمرًا أعمق من ذلك بكثير، وأن ابنه ربما كان يعاني منذ سنوات من مشكلة لم يفهمها أحد، وربما لم يُحسن هو نفسه التعامل معها.
خرج أبو سعيد من المدرسة برفقة ابنه، وفي قلبه همّ ثقيل طالما حاول تجاهله.
ومع مرور الوقت، استمرت المشكلات في المدرسة.
فقد بدأ سعيد بتمزيق كتبه، ورميها من النوافذ، وأصبح بعض الطلاب يخافون من الاقتراب منه. وكان بعضهم يصفه بأوصاف قاسية لا يدركون أثرها عليه.
أمام تزايد المشكلات والشكاوى، لم يعد بإمكان إدارة المدرسة تجاهل الوضع.
قرر المدير استدعاء والده مرة أخرى.
حضر أبو سعيد، لكنه هذه المرة لم يدخل غاضبًا كما كان يفعل في السابق.
جلس بهدوء، وكأن شيئًا في داخله قد تغير، وكأنه أدرك أن هذا اللقاء قد يكون حاسمًا في حياة ابنه.
نظر إليه المدير وقال:
أعرف أن الأمر قد يكون صعبًا عليك، وأدرك أن رؤية ابنك يختلف عن بقية الأطفال ليست أمرًا سهلًا على أي أب. لكنني أنصحك بشدة أن تعرض سعيدًا على طبيب مختص لتقييم حالته وتشخيصها بدقة.
ما نراه من سلوكيات متكررة ليس مجرد شغب عابر، بل يحتاج إلى فهم ورعاية متخصصين.
أما بالنسبة إلى المدرسة، فقد أصبح من الصعب استمرار سعيد فيها بالشكل المعتاد، خصوصًا بعد تزايد الشكاوى والحوادث من أولياء الطلاب. نحن لا نريد أن نعاقبه أو نؤذيه، وإنما نريد أن يجد المكان المناسب الذي يستطيع فيه أن يتلقى الرعاية والتعليم بما يتناسب مع قدراته، والدولة تكفلت بهذه الفئة ويمكنك الاستفادة منها.
خرج أبو سعيد من المدرسة وهو يحمل ابنه، لكن هذه المرة كان يحمل معه سؤالًا كبيرًا ظل يهرب منه:
ما الذي يعاني منه سعيد؟ هل هو …. لا … لا … لا يمكن أن يكون ابني مجنون… بل هو صغير وسيكبر …
أخذه إلى المستشفى، وبعد الفحوص والتقييمات الطبية، جاءت النتيجة صادمة له ولأمه.
أُبلغ الوالدان بأن سعيدًا يعاني من إعاقة ذهنية تؤثر في قدرته على التعلم والإدراك والتعامل مع المواقف المختلفة، وأنه يحتاج إلى رعاية وتأهيل يتناسبان مع حالته، وأنه لن يكون قادرًا على متابعة التعليم بالطريقة التقليدية التي يتبعها أقرانه.
كانت الصدمة قاسية.
فقد كان الأب يتمنى أن يرى ابنه في المدرسة، يجلس بين أقرانه، ويتعلم، ويكبر، ويبني مستقبله مثل بقية الأطفال.
لكنه أدرك أخيرًا أن سعيدًا لم يكن طفلًا مشاغبًا كما كان يظن، ولم يكن يتعمد إيذاء الآخرين في كل مرة، بل كان يحتاج إلى من يفهم حالته ويعرف كيف يتعامل معه.
ولم تكن حياته سهلة، كان يجول أحيانًا في الطرقات بتصرفات غير متزنة، ولم يكن قادرًا دائمًا على إدراك المخاطر المحيطة به، مما جعل أسرته تخشى عليه وعلى الآخرين.
وكان كل من يراه يشعر بالحسرة على شاب لم تكن مشكلته في جسده، وإنما في قدراته العقلية التي حرمته من أن يعيش حياته بالطريقة التي يعيش بها أقرانه.
ومع تزايد الصعوبات، نُقل في نهاية الأمر إلى مستشفى متخصص لحالته.
ومن قصة سعيد نتعلم درسًا مهمًا:
ليس كل طفل كثير الحركة طفلًا مشاغبًا، وليس كل سلوك غير مألوف دليلًا على سوء التربية.
بل يحتاج إلى تشخيص وفهم ورعاية.
وفي النهاية، تبقى نعمة العقل والصحة من أعظم النعم التي تستحق الشكر، كما تستحق نعم الله علينا أن نحافظ عليها، وأن نرحم من ابتُلي بغيرها، وأن نتعامل معه بالإنسانية والرحمة والاحترام.
فربما لا نملك أن نغيّر قدر الإنسان، لكننا نملك أن نغيّر الطريقة التي نعامله بها.



