20 , سبتمبر 2026

القطيف اليوم

اليقظة النهائية

حين يأتي التحسن المفاجئ في اللحظات الأخيرة

أُدخل رجل إلى العناية المركزة بسبب مشكلة شديدة في الرئة، واضطر الفريق الطبي إلى وضعه على جهاز التنفس الصناعي. استمرت حالته الحرجة نحو أسبوع، وكانت أيامه وأيام أهله مليئة بالقلق والانتظار.

بدأت حالته بعد ذلك تتحسن بصورة واضحة، وتحسنت علاماته الحيوية، وأصبح أكثر وعيًا وتفاعلًا مع من حوله. استبشر الأطباء بهذا التحسن، وانتقلت الفرحة إلى أهله، وشعر الجميع أن المريض ربما بدأ يتجاوز المرحلة الصعبة.

لكن بعد نحو ست ساعات فقط، حدثت انتكاسة حادة ومفاجئة، وتدهورت حالته سريعًا، ثم توفاه الله.

هذه المشاهد قد تبقى طويلًا في ذاكرة من عمل سنوات في العناية المركزة. فالمريض الذي يكون في حالة حرجة قد يبدو فجأة أفضل مما كان عليه؛ تتحسن بعض علاماته الحيوية، ويصبح أكثر يقظة وتفاعلًا، فيشعر الأهل أن الخطر بدأ ينحسر. وقد يكون هذا التحسن حقيقيًا ومبشرًا، لكنه قد يكون مؤقتًا، ولا يعني بالضرورة أن الخطر قد انتهى.

وتفتح مثل هذه التجارب بابًا لسؤال طبي وإنساني: هل يمكن أن تظهر أحيانًا يقظة أو حالة من الصفاء المفاجئ في الساعات أو الأيام الأخيرة من الحياة؟

هذه ظاهرة لافتة تناولتها الأدبيات الطبية، تُعرف باسم Terminal Lucidity، ويمكن ترجمتها إلى «اليقظة النهائية» أو  ( الصفاء الذهني النهائي ).

ويقصد بها ظهور مفاجئ ومؤقت للوعي والوضوح والقدرة على التواصل لدى بعض المرضى الذين كانوا يعانون تدهورًا شديدًا في الوعي أو القدرات العقلية. فقد يصبح المريض أكثر انتباهًا، ويتعرف على أفراد أسرته، ويتحدث معهم، أو يستعيد بعض القدرات التي كان قد فقدها، ثم يعود إلى التدهور ويموت بعد فترة قصيرة.

وقد وُصفت هذه الظاهرة في تقارير ودراسات ومراجعات علمية، لكن من المهم أن نقول بوضوح: هي ظاهرة حقيقية لاحظها العاملون في الرعاية الصحية، لكنها لا تزال غير مفهومة جيدًا، كما أن الأدلة العلمية المنهجية حولها محدودة.

وتشير الدراسات المتاحة إلى أن اليقظة النهائية قد تحدث قبل الوفاة بساعات أو أيام، لكن عدد الحالات المدروسة ما زال محدودًا، ولا تكفي الأدلة الحالية لتحديد مدى شيوعها أو تفسير سبب حدوثها بصورة قاطعة.

وهنا يجب أن نكون دقيقين: ليس كل تحسن مفاجئ في مريض العناية المركزة هو يقظة نهائية .

فالمريض الذي يعاني التهابًا شديدًا في الرئة أو فشلًا في أحد الأعضاء قد يتحسن مؤقتًا بسبب العلاج، ثم ينتكس نتيجة شدة المرض أو حدوث مضاعفات جديدة. وقد تتحسن علاماته الحيوية أو مستوى وعيه لفترة، من دون أن يعني ذلك أن المرض الأساسي قد انتهى.

أما اليقظة النهائية فهي مفهوم أكثر تحديدًا، وترتبط بعودة مفاجئة ومؤقتة للوعي أو القدرات العقلية أو القدرة على التواصل لدى مريض كان يعاني تدهورًا شديدًا، وغالبًا ما توصف في المرحلة الأخيرة من الحياة.

أما لماذا تحدث هذه الظاهرة، فلا نملك حتى الآن جوابًا علميًا حاسمًا. طُرحت تفسيرات تتعلق بالتغيرات في وظائف الدماغ والجهاز العصبي والعمليات الفسيولوجية في المراحل الأخيرة من الحياة، لكنها لم تصل إلى تفسير مؤكد ينطبق على جميع الحالات.

ومن عمل في العناية المركزة يعرف أن رحلة المرض ليست دائمًا خطًا مستقيمًا. قد يتحسن المريض ثم يتراجع، وقد تتغير حالته خلال ساعات. لذلك لا ينبغي أن نعطي الأهل أملًا زائفًا، كما لا ينبغي أن نفسر كل تحسن مفاجئ على أنه علامة على قرب الوفاة.

لكن عندما تحدث اليقظة النهائية، فقد تكون لحظة ثمينة للأسرة؛ لحظة يستطيع فيها المريض، إذا كان قادرًا على التواصل، أن يرى أحباءه ويتحدث معهم ويبادلهم المشاعر، وربما يودعهم بطريقته.

وهنا تلتقي المعرفة الطبية بالجانب الإنساني. فالطبيب يستطيع أن يراقب الأرقام، ويقرأ التحاليل، ويتابع أجهزة التنفس والدورة الدموية، لكنه لا يستطيع دائمًا أن يعرف ماذا سيحدث في الساعات القادمة.

ومهما تقدم العلم وتطورت وسائل المراقبة والعلاج، تبقى أمام الإنسان جوانب كثيرة من أسرار النفس والجسد والحياة والموت لا يزال عاجزًا عن فهمها بصورة كاملة. وهذه الظاهرة واحدة من المشاهد التي تذكرنا بقدرة الله سبحانه وتعالى وعظيم صنعه، وبأن ما نعرفه عن الإنسان مهما اتسع يبقى محدودًا أمام علم الله وقدرته.

قال تعالى:

﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾

[الإسراء: 85، ص 290]

وتبقى اليقظة النهائية ظاهرة تحتاج إلى مزيد من البحث والفهم، لكنها تذكرنا بأن المريض في لحظاته الأخيرة ليس مجرد أرقام وعلامات حيوية، بل إنسان له مشاعر وذكريات وأهل وأحبة.

ولهذا تبقى الرعاية حتى اللحظة الأخيرة مهمة؛ علاجًا واهتمامًا، ورحمةً وحفظًا لكرامة المريض، ومساندةً لأهله.

قد تأتي لحظة صفاء لا نتوقعها، وقد تأتي النهاية في وقت لا نعرفه. وبين اللحظتين تبقى مهمتنا واضحة: أن نعالج ما نستطيع، وأن نكون قريبين ممن نحب، وأن نحفظ للإنسان كرامته، ونحيطه بالرحمة حتى اللحظة الأخيرة.


error: المحتوي محمي