نتعلم الحب منذ سنواتنا الأولى بوصفه جسرا نعبر من خلاله منعطفا باتجاه الآخرين. نحب والدينا، أبناءنا، وأزواجنا، لنجد في العطاء لهم دليلا على الوفاء وحسن الخلق. للأسف، نحن نادرا ما نتعلم أن لأنفسنا نصيبا من هذا الحب. الإنسان الذي يقضي عمره يوزع الاهتمام على الجميع، ثم لا يترك لنفسه منه شيئا، قد يصل يوما إلى مرحلة يشعر فيها أنه كان حاضرا في حياة الجميع، وغائبا عن حياته.
لعل المشكلة أعمق من مجرد إهمال عابر للذات، فنحن أبناء ثقافة اجتماعية عظّمَت الإيثار والتضحية ومراعاة الآخرين، وهي قيم نبيلة في أصلها، لكنها قد تنقلب حين يساء فهمها إلى إلغاء للنفس. نتعلم أن نقول «نعم» حتى عندما نريد أن نقول «لا»، وأن نحضر كي لا يغضب أحد، وأن نجامل كي لا نحرج أحدا، وأن نصمت عن بعض ما يؤذينا حفاظا على العلاقات. ومع مرور الزمن يصبح إرضاء الآخرين عادة، بينما الاهتمام بالنفس خروج على المألوف.
لهذا قد يشعر الإنسان بالذنب عندما يختار نفسه. يستريح فيظن أنه مقصر، يعتذر عن مناسبة لأنه متعب فيشعر بأنه أساء إلى أصحابها، يرفض طلبا يفوق قدرته فيلاحقه تأنيب الضمير، أو يضع حدا لعلاقة تستنزفه فيستاء.. وكأن عليه أن يقدم الدليل الدائم على طيبته من رصيده النفسي ووقته وصحته.
حب الذات ليس أن تجعل نفسك مركز الكون، ولا أن تتجاهل حقوق الآخرين أو تتعالى عليهم. ثمة فارق كبير بين أن تحب نفسك وبين أن تعبدها. النرجسية هي شعورك بأنك أهم من الجميع، أما حب الذات الناضج فهو إحساسك بأنك أيضا مهم. الأولى تلغي الآخرين، والثانية ترفض أن تلغي نفسك من أجلهم. وما بين العبارتين مساحة كاملة من التوازن يمكن للإنسان أن يعيش فيها محبا للناس، دون أن يكون خصما لنفسه.
المفارقة أننا نمنح الآخرين من الأعذار ما لا نمنحه لأنفسنا. نسامح صديقا لأنه أخطأ، ونواسي ابنا لأنه تعثر، ونقول لمن نحب: لا بأس، حاول مرة أخرى. لكننا عندما نخطئ نفتح ملفات الماضي، ونصدر على أنفسنا أحكاما قاسية. ربما كان من أبسط صور حب الذات أن نتعلم مخاطبة أنفسنا باللغة نفسها التي نخاطب بها إنسانا نحبه.
هنا ربما نحتاج إلى إعادة برمجة بعض ما ترسخ في داخلنا، لا بالتمرد على قيم المجتمع ولا بالتخلي عن الوفاء والرحمة، وإنما بإعادة هذه القيم إلى مواضعها الصحيحة. أن نتعلم أن الاعتذار عن أمر لا نستطيعه ليس إساءة، وأن الراحة ليست كسلا، وأن وضع الحدود ليس قسوة، وأن الابتعاد عما يؤذينا ليس خيانة، وأن إنفاق شيء من الوقت والمال والاهتمام على أنفسنا ليس جريمة أخلاقية تحتاج إلى تبرير.
حب الذات يبدأ من تفاصيل صغيرة جدا.. أن تسامح نفسك على قرارات اتخذتها بوعي الأمس، وأن تدرك أنك كنت تتصرف بما كنت تعرفه آنذاك. أن تعتني بجسدك قبل أن يطالبك المرض بذلك، وبهدوئك قبل أن يفرض عليك الإرهاق التوقف، وأن تحتفظ بمساحة خاصة لا تدخلها مطالب الناس ولا توقعاتهم. لعل أجمل ما نصل إليه بعد رحلة طويلة مع الحياة هو أن نفهم أن حب الذات لا ينتقص من محبتنا لأحد، بل يجعلها أكثر صحة. الإنسان المتصالح مع نفسه لا يحتاج إلى استنزافها ليبرهن على طيبته، ولا ينتظر من الآخرين أن يعوضوه عما حرم نفسه منه. يعطي لأنه يريد، ويتوقف عندما يعجز، ويحب دون أن يذوب، ويساعد دون أن يفقد نفسه في الطريق.
ربما حان الوقت، بعد سنوات طويلة قضيناها نتعلم كيف نراعي الآخرين، أن نتعلم كيف نراعي أنفسنا أيضا. ليس المطلوب أن نضع أنفسنا فوق الجميع، وإنما أن نتوقف عن وضعها تحت الجميع. حب الذات ليس أنانية، وإنما مصالحة متأخرة مع الذات التي رافقتنا منذ أول الطريق، وستبقى معنا حتى نهايته.



