يروي مُيَسِّر بن عبد العزيز عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال: (يَا مُيَسِّرُ، ادْعُ وَلَا تَقُلْ إِنَّ الْأَمْرَ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ؛ إِنَّ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مَنْزِلَةً لَا تُنَالُ إِلَّا بِمَسْأَلَةٍ)
يحمل هذا الحديث الشريف توجيهاً إيمانياً عميقاً يُثبت أن الدعاء ليس مجرد وسيلة لقضاء الحوائج، بل هو غاية بحد ذاته ومظهرًا من مظاهر العبودية الحقة.
حيث يأمرنا الإمام عليه السلام بالإقبال على الدعاء في مختلف الأحوال، حتى في المواقف التي يراها الإنسان معقدة أو مستحيلة بحسب المعايير المادية؛ كأن يكون المريض على فراش الموت أو في غيبوبة وفَقَدَ الأمل في الشفاء، في مثل هذه الظروف لا ينبغي للإنسان أن يتوقف عن الدعاء مظهرًا أن الأمر قد قُضي ولا فائدة، بل عليه أن يرفع يديه بالمسألة، لأن للحق سبحانه وتعالى تدبيرًا يتجاوز أسباب البشر.
قال ابن عبد ربه في العقد الفريد:
بُنَيَّ لئنْ أَعْيا الطَّبِيبَ ابنَ مُسلمٍضَناكَ وَأعْيا ذا البَيان المُسجَّعِ
لأَبْتَهِلَنْ تحتَ الظَّلامِ بِدَعوَةٍمتَى يَدْعُها داعٍ إِلى اللَّه يسْمعِ
يُقَلْقِلُ ما بَيْنَ الضُّلوعِ نَشيجُهالها شافِعٌ مِنْ عَبرَةٍ وَتَضَرُّعِ
ربما يتعامل الكثير من الناس مع الدعاء بمنطق الأخذ والعطاء حيث تدعو لتأخذ ما طلبت، لكن رؤية أهل البيت عليهم السلام تتجاوز هذا المنطق المادي فهي تقدم الدعاء كعبودية حصلت الاستجابة أم لم تحصل؛ فالوقوف بين يدي الله والابتهال إليه يُعدّ بحد ذاته مرتبة سامية ومنزلة إيمانية لا يمكن الوصول إليها إلا بالمسألة والخضوع.
وتتضح هذه الحقيقة في القرآن الكريم عبرالاهتمام الإلهي في قوله عز من قائل: (قُلْ مَا يَعْبَؤُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ)
فمعيار الاعتناء الإلهي بالعبد هو التوجه إليه بالدعاء، ولكن ليس بأنفة واستكبار
قال عز اسمه: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ)
لاحظ لم تَقُل الآية يستكبرون عن دعائي بل عن عبادتي، مما يدل على أن الدعاء هو جوهر العبادة.
مضافًا إلى أن الإنسان الذي يستنكف عن الدعاء وهو فقيرٌ بذاته أمام الغني المطلق، يقع في وهم الاستغناء، والقرآن يوضح هذه الحالة في قوله عز من قائل: (كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى)
بينما الحقيقة الثابتة هي قوله: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ)
يستمر الإمام الصادق (عليه السلام) في حديثه لمُيَسِّر موضحاً وجوب قرع الباب والرجاء المستمر: (...وَلَوْ أَنَّ عَبْداً سَدَّ فَاهُ وَلَمْ يَسْأَلْ لَمْ يُعْطَ شَيْئاً، فَسَلْ تُعْطَ. يَا مُيَسِّرُ، إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ بَابٍ يُقْرَعُ إِلَّا يُوشِكُ أَنْ يُفْتَحَ لِصَاحِبِهِ) .
إن الامتناع عن الدعاء يحرم العبد من الفضل والمنزلة، وحتى لو لم يحصل العبد على عين ما طلب لحكمة يعلمها الله - كما جاء في الأثر أن ما أُخر عنه قد يكون خيراً له - فإنه يُعطى المقام والرفعة في الدرجات.
ألا ترى أن الرواية تُصوّر العبد في محراب مناجاته كأنه يقف على باب ملك الملوك يقرعه بالدعاء، والسنّة الإلهية جرت بأن الباب الذي يُقرَع باستمرار يُوشِك أن يُفتح لصاحبه.
ختامًا أقول: أن الدعاء هو الانسجام التام مع أصل الخلقة والطينة البشرية، وهو الإقرار الفعلي بالشهادة الفطرية (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى)
بل بالدعاء تتوطد العلاقة بين العبد وربه، وترتقي معرفته بالمدعو، ليتحقق له شيء من مقام عالٍ هو مقام العبودية لله، الذي قُدّم حتى على مقام الرسالة في الشهادة.



