17 , سبتمبر 2026

القطيف اليوم

ساهر ما شاخ عليه ومع ذلك عامل فيها خبير في سياقة المرأة

قد أتفهم، وعلى مضض، بعض التعليقات التي صاحبت البدايات الأولى لقيادة المرأة للسيارة في وطننا، فالتجربة كانت جديدة، والجديد يفتح باب الملاحظات والتندر، لكن بعد كل هذه السنوات، وبعدما أصبحت المرأة خلف الدركسون مشهدًا يوميًا عاديًا، يفترض أن تكون بعض الأحكام القديمة قد تقاعدت.

ما إن يرى بعض الرجال سيارة أمامه تمشي بهدوء، أو تتردد عند مخرج، أو تأخذ ثانيتين إضافيتين قبل الدخول في المسار، حتى تتحرك لديه أجهزة التحليل المروري، يرفع حجاته، يميل قليلًا على السكان، ثم يصدر التقرير النهائي بكل ثقة، أكيد هذي بنت.

ما يحتاج يشوف السائق، ولا اللوحة، ولا يعرف ويش صار، عنده نظام تشخيص أسرع من كاميرات ساهر، سيارة تأخرت عند الإشارة، بنت، سيارة وقفت بعيد شوي عن الرصيف، بنت، سيارة دخلت المخرج ثم تراجعت، بنت، ولو شاف سيارة فوق نخلة، أول سؤال عنده، من كانت تسوق.

والأجمل إذا شاف حادثًا غريبًا، يتحول فورًا إلى خبير حوادث معتمد، يشوف السيارة مقلوبة، ما يعرف السبب، ولا تقرير المرور، ولا من كان يقود أصلًا، لكن يقول، أقول لك هذي بنت، فإذا اكتشف أن السائق رجل، تتغير النظرية فورًا، أكيد واحد لف عليه، يعني حتى الرجل إذا صدم، ممكن تكون المرأة هي السبب وهي في بيتهم تسوي قهوة.

ثم يجيك في المجلس مع الشباب، وهنا تبدأ الندوة المرورية الكبرى، يجلس بطريقة توحي بأن عنده 40 سنة خبرة في قيادة الطائرات، ويسولف لك عن المخاطر التي تعرض لها منذ بدأت المرأة تقود السيارة.

يقول لك، يا رجال أمس وحدة قدامي خوفتني، خير إن شاء الله، ويش سوت، كانت ماشية على مهل، يا ساتر، وبعدين وقفت عند الإشارة، الحمد لله على سلامتك يا بطل السباقات.

ويكمل لك، مرة وحدة دخلت علي المسار، طيب يا حبيبي، أنت من عام 1998 تدخل على الناس ثلاثة مسارات دفعة وحدة، وما عرفت الإشارة الجانبية إلا يوم ركبت سيارة جديدة وصارت تشتغل بالغلط، واليوم زعلان لأن سيارة دخلت أمامك.

وهنا تبدأ الكوميديا الحقيقية، لأن بعض الرجال الذين يتندرون اليوم على قيادة المرأة، هم أنفسهم الذين أشغلوا المرور عقودًا كاملة حتى تعتدل سواقتهم.

هذا نفسه اللي كان يعتبر عداد السرعة تحديًا شخصيًا، إذا مكتوب 120 يقول ليش حاطين باقي الأرقام إلى 240، ويشوف الإشارة الصفراء رسالة تقول له الحق بسرعة، والحمراء اقتراح قابل للنقاش.

سنوات طويلة والجهات المختصة مبتلشه به، مخالفات، حملات، دوريات، كاميرات، رصد آلي، وكل هذا عشان تقنعه بفكرة بسيطة، يا حبيبي امش عدل.

ركبوا له كاميرات سرعة، قال متصيدين لينا، راقبوا الإشارات، قال ما خلونا نعيش، شددوا على الحزام، قال المشوار قريب، راقبوا الجوال، قال بس أرد على الواتساب.

وبعد كل هذا التاريخ المروري الحافل، جلس صاحبنا، وعدل جلسته، وشرب الشاي، وقال بنبرة الخبير، بصراحة الحريم ما يعرفوا يسوقوا.

معقولة يا رجل، أنت شخصيًا ما تعدلت قيادتك إلا بعد ما صارت الكاميرا تعرف سيارتك أكثر من بعض أولادك، وجوالك كان يستقبل رسائل المخالفات أكثر من رسائل جمعة مباركة، والحين جاي تعطي المرأة دورة في القيادة الوقائية.

والأطرف أن عنده ذاكرة مرورية انتقائية، يتذكر المرأة التي تأخرت أمامه ثلاث ثوان عند الدوار، لكنه نسي بلاويه، نسي السرعة، والتجاوزات، والحوادث، والحق الإشارة، وما فيه أحد صورني، ومسح الأرشيف كامل، ثم أعاد تقديم نفسه تحت مسمى السائق المثالي.

يا عزيزي، كون امرأة أخطأت في القيادة لا يعني أن النساء لا يعرفن القيادة، مثلما أن رجلًا دخل بسيارته في محل تجاري لا يعني أن الرجال لازم نسحب منهم المفاتيح بعد المغرب.

الحوادث ما عندها خانة تقول هذا الخطأ رجالي وهذا نسائي، فيه سائق ممتاز، وفيه سائق يحتاج ينتبه، وفيه سائق تتمنى فقط أن يصل بيته سالمًا ويسلم الناس منه.

والمرأة مثل الرجل، تتعلم بالممارسة، تخطئ، تتحسن، تكتسب خبرة، وبعض النساء اليوم تقود بهدوء والتزام أفضل من رجال قضوا نصف أعمارهم خلف الدركسون، وبعض الرجال أفضل منهن، والمسألة في النهاية مهارة والتزام وانتباه.

واللي يخوف فعلًا مو امرأة تمشي قدامك بهدوء، اللي يخوف سائق يطير بين السيارات، ماسك جواله بيد، والدركسون بيد، ويغير المسار بلا إشارة، ثم إذا مرت بجانبه امرأة قال، الله يستر من هالسواقة، الله يستر منك أنت أول.

القضية مو دفاعًا عن قيادة المرأة ضد الرجل، ولا مسابقة نحدد فيها من الأفضل، القضية أبسط من ذلك، إذا شفت خطأ مروريًا قل هذا خطأ مروري، لا تحوله إلى تحليل اجتماعي كامل لأن اللي خلف الدركسون امرأة.

وفي النهاية، قبل ما تقول عن السيارة اللي قدامك أكيد هذي بنت، تذكر أرشيفك المروري شوي، مر على المخالفات القديمة، الحوادث، السرعات، الإشارات اللي لحقتها في آخر نصف ثانية، والمخارج اللي اكتشفتها فجأة فقطعت ثلاثة مسارات، وبعدها إذا بقي عندك نفس تتفلسف، تفضل، بس تكفى اربط الحزام أول.


error: المحتوي محمي