الجزء الثاني: لماذا تختلف الأمراض من بلد إلى آخر؟
في الجزء الأول رأينا أن المرض لا يتوزع بالتساوي على خريطة العالم. فالسكري وارتفاع ضغط الدم والسمنة وأمراض القلب والأمراض الوراثية، وحتى بعض الأمراض المعدية، قد تختلف من مجتمع إلى آخر.
لكن السؤال الأهم: لماذا يحدث هذا الاختلاف؟
الحقيقة أن خريطة المرض لا يرسمها عامل واحد. فالإنسان يعيش في بيئة معينة، ويأكل ويشرب بطريقة معينة، ويتحرك أو يخمل، ويحمل صفات وراثية، ويعيش ضمن ظروف اجتماعية واقتصادية وثقافية، ويحصل على مستوى معين من الرعاية الصحية والوقاية. وكل ذلك يترك أثره في صحته.
البيئة والمناخ والتلوث
لنبدأ من المكان الذي يعيش فيه الإنسان. فالهواء الذي يتنفسه، والماء الذي يشربه، ودرجة الحرارة والرطوبة، وطبيعة البيئة من حوله، كلها قد تؤثر في صحته.
فتلوث الهواء، مثلًا، قد يرتبط بزيادة بعض أمراض الجهاز التنفسي والقلب والأوعية الدموية، بينما يمكن للظروف المناخية والبيئية أن تساعد في انتشار بعض الأمراض المعدية.
ولهذا فإن المكان ليس مجرد خلفية يعيش فيها الإنسان، بل قد يكون جزءًا من قصة مرضه.
الغذاء والماء ونمط الحياة
ثم يأتي الغذاء والماء. فما يوضع على مائدة الإنسان كل يوم، ونوعية المياه التي يشربها، وطريقة إعداد الطعام وحفظه، قد تؤثر في صحته على المدى البعيد.
وهنا نستحضر قصة واضحة: كانت إحدى المناطق تعاني من أمراض معدية تنتقل عن طريق الماء أو الخضروات الملوثة، مثل التيفوئيد. وبعد إنشاء نظام للصرف الصحي وتحسين التخلص من مياه الصرف، تغيرت البيئة التي كانت تساعد على انتقال العدوى، فتراجعت هذه الأمراض بصورة واضحة.
القصة هنا أكبر من مجرد تحسن في رقم أو إحصائية؛ فهي تبيّن كيف يمكن لتغيير في البيئة والخدمات الأساسية أن يغيّر خريطة المرض في منطقة كاملة.
ولا ينفصل الغذاء عن نمط الحياة؛ فقلة الحركة والخمول والجلوس الطويل والتدخين واضطراب النوم وطبيعة العمل، كلها عوامل قد تتراكم مع الزمن وتنعكس على الوزن والسكري وضغط الدم وأمراض القلب.
الوراثة والعمر
لكن البيئة ونمط الحياة لا يفسران كل شيء.
فالوراثة لها دور مهم؛ إذ تختلف بعض الصفات الجينية وانتشار بعض الأمراض الوراثية بين المجموعات السكانية، كما قد يجعل التاريخ العائلي بعض الأشخاص أكثر استعدادًا للإصابة بأمراض معينة.
كذلك فإن عمر السكان يغيّر خريطة المرض. فالمجتمع الذي ترتفع فيه نسبة كبار السن ستكون فيه الأمراض المرتبطة بالتقدم في العمر أكثر حضورًا من مجتمع يغلب عليه الشباب.
وهكذا، فإن المجتمع لا يحمل فقط ظروفه البيئية والغذائية، بل يحمل أيضًا تاريخًا وراثيًا وسكانيًا يؤثر في خريطته الصحية.
المجتمع والثقافة والاقتصاد
ولا يعيش الإنسان بمعزل عن مجتمعه.
فالعادات الغذائية، وطريقة ممارسة النشاط البدني، ونظرة المجتمع إلى الصحة والمرض، ومستوى التعليم والوعي الصحي، وطبيعة العمل والسكن، والدخل والقدرة على الحصول على الغذاء الصحي، كلها عوامل قد تؤثر في صحة الإنسان.
وقد ينتشر مرض في مجتمع أكثر من غيره، ليس لأن أفراده مختلفون في طبيعتهم، وإنما لأن الظروف التي يعيشون فيها مختلفة.
ومع التحضر والهجرة قد تتغير هذه الظروف بسرعة؛ فقد ينتقل الإنسان من الريف إلى المدينة، أو من بلد إلى آخر، فتتغير طريقة غذائه وعمله وحركته والبيئة المحيطة به.
كما أن الضغوط النفسية المستمرة قد تؤثر في النوم والنشاط والعادات اليومية، ولذلك لا يمكن فصل صحة الإنسان تمامًا عن ظروفه النفسية والاجتماعية.
الرعاية الصحية والوقاية
ثم يأتي عامل قد يغيّر الصورة التي نراها على الخريطة: مستوى الرعاية الصحية والوقاية.
فالتطعيم، والفحص المبكر، والتوعية الصحية، وتوفر الأدوية، وسهولة الوصول إلى الطبيب والمستشفى، كلها عوامل تؤثر في اكتشاف المرض وعلاجه ونتائجه.
وقد يكون المرض موجودًا في مجتمعين بدرجات متقاربة، لكنه يبدو أكثر انتشارًا في أحدهما لأن وسائل التشخيص والفحص أكثر توفرًا، بينما لا تُكتشف حالات كثيرة في المجتمع الآخر.
وهنا نصل إلى نقطة مهمة: خريطة المرض لا تعكس وجود المرض فقط، بل تعكس أيضًا قدرة المجتمع على اكتشافه والوقاية منه وعلاجه.
خريطة متحركة وليست ثابتة
عندما ننظر إلى هذه العوامل مجتمعة، نفهم لماذا تختلف الأمراض من بلد إلى آخر.
فالبيئة والمناخ والتلوث، والغذاء والماء ونمط الحياة، والوراثة والعمر، والثقافة والظروف الاجتماعية والاقتصادية، والتحضر والهجرة، والضغوط النفسية، ومستوى الرعاية الصحية والوقاية، كلها عوامل تتداخل في رسم هذه الخريطة.
ولهذا لا يكفي أن نقول: إن مرضًا ما أكثر انتشارًا في بلد من بلد آخر. السؤال الأهم هو: ما الذي جعل هذا المرض أكثر حضورًا هنا؟
فخريطة المرض ليست صورة ثابتة؛ إنها تتغير كلما تغيرت حياة الناس وبيئتهم وغذاؤهم وطرق الوقاية والرعاية الصحية.
وربما لهذا السبب، فإن وراء كل رقم على خريطة المرض قصة، ووراء كل اختلاف بين مجتمع وآخر مجموعة من العوامل التي صنعت ذلك الاختلاف.
ومن هنا ننتقل في الجزء القادم إلى سؤال أكثر تحديدًا: لماذا تتركز بعض الأمراض في مناطق دون أخرى؟ وكيف يمكن للجغرافيا والمناخ والبيئة أن تجعل مرضًا شائعًا في منطقة، ونادرًا في منطقة أخرى؟



