كانت لي زيارة لأحد الأصدقاء في ورشة يشرف عليها، لأعرض عليه مشكلة ميكانيكية بسيطة في سيارتي، لكنها كانت تحتاج إلى نظرة فني يعرف ما وراء الصوت والحركة.
دخلت المكتب، سلمت عليه وجلست قليلًا. كان بجانبه أحد الفنيين، ومن الواضح أنه يعمل تحت إدارته، فصديقي هو المشرف على أعمال الصيانة في الورشة.
شرحت له المشكلة، فقال:
. دعنا نلقي نظرة على السيارة.
ثم التفت إلى الفني وقال له:
. تعال معي.
رفع الفني رأسه وسأله:
. ماذا تريد؟
قال له بهدوء:
. تعال معي فقط.
خرجنا نحن الثلاثة، ووصلنا إلى السيارة. نظر إليها المشرف، وفحص المشكلة سريعًا، ثم قال مطمئنًا:
. الأمر بسيط.
والتفت إلى الفني وقال:
. أحضر مفتاح عشرة.
وهنا حدث ما لم أتوقعه. قال الفني ببرود:
. أنا مشغول.
ثم تركنا وعاد إلى داخل الورشة!
وقفت مصدومًا من تصرفه، والأشد من ذلك أن الموقف حدث أمامي، لم يراعِ وجود مشرفه، ولا وجود عميل، ولا حتى أبسط قواعد التعامل بين الزملاء.
أما صديقي، فلم يجادله، ولم يرفع صوته، ولم يحاول استعراض سلطته أمامي. ذهب بنفسه، وأحضر مفتاح عشرة، ثم أصلح العطل بكل هدوء.
شكرته على تعامله الراقي، وغادرت الورشة، لكن الموقف لم يغادرني.
ظللت أفكر في ذلك الفني، وفي رد فعل المشرف، وفي الفرق الكبير بين شخصين جمعتهما لحظة واحدة، فكشفت شخصيتين مختلفتين تمامًا.
الفني امتلك المهنة، لكنه افتقد شيئًا من الذكاء الاجتماعي. أما المشرف، فقد امتلك سعة الأفق، وضبط النفس، واحترام المكان والعميل، فلم يسمح لتصرف عابر أن يحوّل الموقف إلى مشكلة أكبر.
فالذكاء الاجتماعي في بيئة العمل ليس دورة نحضرها، ولا شهادة نضعها في ملفنا الوظيفي. إنه يظهر في التفاصيل الصغيرة: في طريقة ردك، وفي احترامك لمن يعمل معك، وفي معرفتك متى تتعاون، ومتى تتجاوز عن تصرف لا يستحق أن تهدم بسببه يومًا كاملًا.
ولست هنا أدعو إلى الطاعة العمياء، ولا إلى إلغاء شخصية الموظف أمام مديره. من حق الموظف أن يعتذر إذا كان لديه عمل لا يستطيع تركه، ومن حقه أن يناقش ويوضح. لكن الفرق كبير بين أن تقول باحترام:
. لدي عمل عاجل، هل أحضر المفتاح أولًا ثم أعود إليه؟
وبين أن تقول:
. أنا مشغول.
ثم تدير ظهرك وتمضي.
الكلمات بسيطة، لكن أثرها ليس بسيطًا.
في بيئة العمل، هناك مدير، ومشرف، وزميل، وعميل. ولكل واحد منهم حق في الاحترام. والإنسان الذكي يعرف مكانه ومسؤوليته، ويحفظ مكانة من هو أكبر منه سنًا أو خبرة أو مسؤولية، من دون أن يشعر أن تعاونه ينتقص منه.
وعندنا عبارة محلية تختصر كل هذه الدورات والنظريات:
شيلني وأشيلك.
أنا اليوم احتجتك في أمر بسيط، وغدًا قد تحتاجني في أمر أكبر. تساعدني الآن، وأقف معك لاحقًا. وهكذا يمضي يوم العمل بروح أخوية تسودها المحبة والتعاون، لا أن يتحول المكان إلى مجموعة أشخاص يعمل كل واحد منهم وحده.
وليس كل ما يُطلب منك داخل العمل مكتوبًا في وصفك الوظيفي. أحيانًا تكون المساعدة موقفًا، والمبادرة أخلاقًا، واحترامك لزميلك هو الاستثمار الذي سيعود إليك يوم تحتاج فيه إلى من يقف بجانبك.
خرجت يومها وقد أُصلح العطل في سيارتي خلال دقائق…
لكنني اكتشفت أن العطل الحقيقي لم يكن فيها.
كان المشرف يملك مفتاح عشرة…
أما الفني، فلم يكن ينقصه مفتاح عشرة؛ كان ينقصه مفتاح العِشرة.



