14 , سبتمبر 2026

القطيف اليوم

حتى السماء… أغلقت أبوابها

في الحكاية السابقة…
خرج النور من بيت آمنة… وامتد أثر مولده ،كما تروي الروايات، إلى الشام وفارس.

اضطربت مملكة… وخمدت نار… وسقطت شُرفات… ووصل خبرٌ إلى من لم يكن في مكة.

تركنا زهرة الكون في مكة… لكن  الحكاية لم تتوقف عند الأرض.

ثم تركنا سؤالًا لم نجب عنه:
إذا كانت الأرض قد شهدت شيئًا من آثار هذا المولد… فماذا حدث في السماء؟

وماذا حدث في عالم لا تراه أعيننا؟

فقد كان هناك… عالمٌ آخر يترقّب ما يجري.

عالمُ الجن والكهّان…

كان للجن طرقٌ إلى السماء، كما تروي الروايات، وكانوا يسترقون السمع، ثم ينزلون بما سمعوا إلى الكهان فيخلطون الحق بالباطل ويحدّثون الناس بما يصدقون منه ويكذبون.

لكن… جاء يوم تغير فيه كلّ شيء.

أبوابٌ كانت تُطرق… لم تعد تُفتح.
وطرقٌ كان يُستمع منها… لم تعد كما كانت.
وشهبٌ بدأت تحرس الطريق.

فما الذي حدث؟
ولماذا أُغلقت تلك الطرق؟

وهل كان لهذا التغيير صلة بميلاد النبي محمد ص … أم أنّ الأمر ارتبط بمرحلة أخرى من حياته حين بدأ الوحي ونزل القرآن؟

ولماذا كان مولد طفلٍ في مكة… سببًا في أن يشعر عالمٌ كامل بأن شيئًا جديدًا قد بدأ؟

سنقترب من الروايات... ثم نعود إلى ما أخبرنا به القرآن.

فربما حين نعرف ما الذي تغيّر في الكون… سنكتشف أنّ لهذا النور أكثر من موعد مع السماء.

موعد عند مولده…
وموعد آخر… حين بدأ الوحي ونزل القرآن.

وهناك…
سنقترب من  باب لم نفتحه من قبل.

ونقول…
حتى السماء… أغلقت أبوابها.

لم تكن السماء عند العرب… عالمًا بعيدًا عن حكاياتهم.

فقد كان الكهّان يتحدثون عن أخبار تأتيهم من السماء، وكانوا يزعمون أن لهم طرقًا لا يراها الناس.

وكان الجن يصعد بعضهم فوق بعض حتى يبلغوا مواضع يسترقون منها السمع.

ثم يهبطون بما سمعوا… فيضيف الكاهن إلى الكلمة الواحدة كلمات كثيرة ويحدّث الناس بما يصدّق منه ويُكذّب.
وكان ذلك الطريق… مفتوحًا لهم.

لكن… تذكر بعض الروايات أن ليلة مولد النبي محمد ص… حملت معها شيئًا لم يألفوه.

فقد حاول بعض الجن الصعود كما كانوا يصعدون… فإذا بالشهب تتبعهم وترمي من اقترب منهم.

فقالوا: ما لهذا الطريق قد مُنعنا؟

طريقٌ كانوا يعرفونه جيداً… لم يعد كما كان.
وموضعٌ كانوا يسترقون منه السمع… وجدوا فيه ما لم يعهدوه.

حتى قال بعضهم لبعض:
لا بد أن يكون قد حدث في الأرض أمرٌ عظيم.

وهنا… بدأت الحكاية تأخذ وجهًا آخر.

ففي الروايات التي تتحدث عن مولد النبي ص لم تكن مكة وحدها على موعد مع ذلك المولود.

كانت هناك أخبارٌ عن أحداثٍ في السماء وعن عالم آخر شعر بأن شيئًا قد تغيّر.

لكن…

هل كان ذلك التغيير هو الذي أخبرنا عنه القرآن؟
أم أنّ للسماء مع هذا النور… موعدًا آخر؟

أما الأرض… وتحديداً مكة… فكانت تحتضن في تلك اللحظة طفلاً لم يكن أحد يومها يعلم إلى اي مد سيمتد أثر مولده.

لكن… كان للسماء موعدٌ آخر مع هذا النور.
موعدٌ لم يكن عند المولد…
بل حين بدأ الوحي.

هناك… يخبرنا القرآن عن عالم آخر وجد السماء على غير ما عهدها.

يقول القرآن على لسان الجن:
﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا ۝ وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا﴾

المواضع التي كانوا يقعدون فيها للسمع… أصبحت محروسة.
والطريق الذي عرفوه طويلًا… صار محفوفًا بالشهب.

فراحوا يبحثون عن السبب.
ولم يكن جوابهم في السماء… بل كان في الأرض.

قالت طائفةٌ منهم:
﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾.

تأملوا…

حتى الجن أنفسهم… لم يكونوا يعرفون ما الذي حدث.
كانوا يرون أثره في السماء… لكنهم لا يعرفون أن سببه في الأرض.

ثمّ جاءت الاخبار لتكشف لهم شيئاً من سر ذلك التغيير…
نبيٌ ظهر في مكة… يحمل وحياً من السماء.

وهنا… يكبر السؤال:
ما علاقة هذا التغيير… ببعثة النبي محمد ص؟
ولماذا كان نزول الوحي إيذانًا بمرحلةٍ جديدة بين السماء والأرض؟

لكن الجن لم يكونوا وحدهم من شعر بأن شيئًا قد تغيّر…
ففي الأرض أيضًا… كان هناك من عاش طويلًا على أخبار السماء.
الكهّان.
وهناك… بدأت حكايةٌ أخرى.


error: المحتوي محمي