منذ أعوام، كتبت رواية حملت عنوان “أنا محجوز”، ولم يكن العنوان بالنسبة إلي مجرد عبارة تصلح لأن تكون اسما لرواية، بل كان مفتاحا لباب اجتماعي واسع، خلفه الكثير من الحكايات التي نعيشها ونمارسها أحيانا من دون أن نتوقف عند خطورتها، كنت أحاول في تلك الرواية أن أقترب من هذه الظاهرة بسردية مختلفة، لا تشبه الحكايات الخيالية التي تنسج أحداثها من أجل المتعة وحدها، وإنما رواية تقترب كثيرا من الحقيقة، من تفاصيل الحياة كما هي، من البيوت والعائلات والأطفال والمشاعر المربكة، وإن استعانت بطبيعة الأدب بما يتيحه من خيال وإعادة تشكيل للأحداث. فالخيال فيها لم يكن بديلا عن الواقع، بل كان طريقا آخر للوصول إليه، وربما لكشف بعض جوانبه الذي يعجز الواقع نفسه عن قولها بصراحة.
ومنذ ذلك الوقت، كلما سمعت عبارة “محجوزين لبعض” توقفت عندها طويلا، لأنها في ظاهرها تبدو جملة عادية، وقد تمر على مسامعنا من دون أن نلقي لها بالا، لكنها في بعض البيئات تحمل وراءها ثقافة كاملة، تبدأ بمزحة بين الكبار، ثم تجد طريقها إلى عقل طفل صغير، وبعد سنوات قد تتحول تلك المزحة إلى اعتقاد، والاعتقاد إلى رغبة، والرغبة إلى حق متوهم، ثم يصبح من الصعب على صاحبها أن يتقبل فكرة أن الإنسان الذي قيل له يوما إنه «محجوز» له، قد يكون له رأي آخر وحياة أخرى واختيار مختلف.
المشكلة تبدأ في اللحظة التي نقرر فيها، نحن الكبار، أن نكتب مستقبل الأطفال قبل أن يكبروا، ونرى طفلا وطفلة فنقول له: هذا لك، أو نسأله: هل تريدها؟ هل تتزوجها عندما تكبر؟ ثم نضحك عدّ الأمر من الطرائف التي تصنعها المجالس العائلية وقد نكرر العبارة في كل مناسبة، حتى تصبح الطفلة في ذهنه شيئا مقررا، ويصبح هو في ذهن نفسه صاحب حق فيها. أما هي، التي كانت تقف إلى جواره وتسمع الكلام نفسه، فلا يسألها أحد عما تريد، وكأنها تفصيل صغير في حكاية كتبها الآخرون.
قد ينسى الكبار تلك اللحظة بعد دقائق، لكن الطفل لا ينسى بالضرورة. فالطفولة ليست صفحة بيضاء نكتب عليها ما نشاء ثم نمحو ما كتبناه متى أردنا، إنها المرحلة التي تتكون فيها الصور الأولى عن الذات والآخر والحياة والعلاقات. والكلمات التي نلقيها فيها قد تستقر في مكان عميق من الوعي، ثم تعود بعد سنوات بأشكال مختلفة. وهنا تكمن خطورة تلك المزحات التي لا نراها مزحات.
حين نعلم الطفل منذ الصغر أن فتاة ما “له”، فإننا لا نعلمه الحب كما نظن، بل قد نعلمه التملك من حيث لا نشعر، ونضع في ذهنه صورة مفادها أن الرغبة تمنح الحق، وأن من أحبها يحق له أن يحصل عليها، وأن رفضها أو اختيارها لغيره قد يكون خذلانا أو اعتداء على شيء كان “محجوزا” له، وهذه أفكار خطرة، لأنها لا تؤسس لعلاقة إنسانية متوازنة، وإنما تؤسس لعلاقة يكون فيها أحد الطرفين مالكا والآخر مملوكا.
ثم يكبر الطفل قليلا، وتدخل المشاعر إلى عالمه في سن المراهقة، فيبدأ بإطلاق كلمة “الحب” على كل إعجاب وتعلق وانجذاب. يقول: أحب فلانة، أو تقول: أحب فلانا، فيتعامل بعض الكبار مع الأمر وكأنهما أصبحا فجأة قادرين على فهم الحياة واتخاذ قراراتها الكبرى، والحقيقة أن الإنسان قد يكون صادقا في مشاعره، لكنه صادق في مشاعر لا يفهمها بعد، وقد يحب فعلا، لكنه لا يعرف بعد ماذا يعني الحب حين يصبح مسؤولية واختيارا وشراكة وصبرا وقدرة على تحمل تبعات القرار.
ليس كل من قال “أحبك” قد فهم الحب، وليس كل من تعلق بإنسان أصبح مستعدا لأن يبني معه حياة، فالحب أعمق من كلمة، والزواج أكبر من عاطفة عابرة، والنضج ليس أن نمتلك الجرأة على إعلان مشاعرنا، وإنما أن نمتلك الوعي الكافي لفهمها وتحمل نتائجها واحترام الطرف الآخر فيها.
والأكثر إيلاما أن بعض العبارات التي تتناقلها الألسن لا تكتفي بتثبيت فكرة الحجز، وإنما تمنحها غطاء اجتماعيا يبدو وكأنه أمر طبيعي، من قبيل: “خذها بعبايتها”، أو “لا تتركها لغيرك”، وما شابه ذلك من كلام يجعل الزواج أقرب إلى عملية امتلاك أو انتزاع، لا إلى عِلاقة تقوم على رضا إنسانين اختارا بعضهما بحرية ووعي.
وربما لا يدرك من يردد هذه العبارات حجم الأثر الذي تتركه في عقل طفل يسمعها للمرة الأولى، لكنه يتعلم منها، شيئا فشيئا، أن المرأة يمكن أن تكون شيئا يحصل عليه الرجل، وأن رغبة الرجل قد تكون أهم من إرادة المرأة.
وهنا لا تعود المسألة مجرد ألفاظ، بل تصبح قضية تربية وثقافة ووعي، فنحن نربي أبناءنا بالكلمات قبل أن نربيهم بالنصائح، وبما نكرره أمامهم أكثر مما نربيهم بما نقوله لهم في لحظات الوعظ، فإذا تربى الطفل على أن الآخرين أشياء يمكن امتلاكها، فليس من السهل أن نطلب منه حين يكبر أن يفهم معنى الشراكة والاحترام والحدود والاختيار.
ثم نتساءل بعد ذلك: لماذا أصبحت بعض العلاقات الزوجية هشه؟ ولماذا يكثر الصراع داخل البيوت؟ ولماذا ينتهي بعض الزواج إلى الطلاق؟ ولماذا يجد الأطفال أنفسهم في منتصف معارك لم يكونوا طرفا فيها؟ وربما ينبغي لنا، قبل أن نبحث عن الإجابة في مكان بعيد، أن نعود إلى البدايات، إلى ذلك الجمل الصغيرة التي قيلت أمام الأطفال، وإلى تلك الأفكار التي زرعت في عقولهم باعتبارها مزاحا، وإلى ذلك الاعتقاد الذي كبر معهم حتى أصبح جزءا من تصورهم للحب والزواج.
فالأسرة لا تبدأ يوم عقد الزواج، وإنما تبدأ قبل سنوات طويلة، في الطريقة التي يتعلم بها الطفل معنى الإنسان الآخر، ومعنى الاختيار، ومعنى الرفض، ومعنى الاحترام، فإذا علمناه منذ الصغر أن الإنسان ليس ملكا لأحد، وأن المحبة لا تمنح صاحبها حقا في امتلاك من يحب، وأن الزواج قرار مشترك لا يكتبه الأقارب نيابة عن أصحابه، فإننا نضع لبنة حقيقية في بناء أسرة أكثر توازنا.
أما أن نحجز طفلة لطفل، ونمنحهما وعدا لا يعرفان معناه، ثم نغضب عندما يكبران ويختار أحدهما طريقا آخر، فذلك يعني أننا لم نحترم إنسانيتهما منذ البداية، نعم لقد اختصرنا حياتهما في قرار اتخذناه نحن، ثم طلبنا منهما أن يحملا نتائجه.
ولذلك فإنني حين أتذكر رواية “أنا محجوز” لا أتذكر شخصياتها وأحداثها بوصفها مادة روائية فحسب، بل أتذكر السؤال الذي كان خلفها وما زال حاضرا: كم من إنسان عاش سنوات طويلة يحاول أن يفهم حياته، بينما كانت هناك يد خفية قد كتبت له منذ طفولته من يحب، ومن يتزوج، وما الذي ينبغي أن يكون عليه مستقبله؟
الأدب في النهاية ليس دائما هروبا من الواقع إلى الخيال، بل قد يكون عودة إلى الواقع بطريقة أكثر عمقا، وربما لهذا كانت تلك الرواية أقرب إلى الحقيقة مما قد تبدو عليه الروايات الخيالية، لأن بعض ما نكتبه في الأدب لا يحتاج إلى كثير من الخيال كي يكون مؤلما، فالواقع نفسه قادر على أن يكتب أكثر الحكايات قسوة.
لقد آن لنا أن نراجع كثيرا من العبارات التي نرددها أمام أطفالنا بلا تفكير، وأن ندرك أن بعض المزاح قد يكون له عمر أطول من عمر أصحابه، فالجملة التي يضحك منها الكبار اليوم قد تصبح فكرة يعيش معها طفل غدا، وربما تصبح تلك الفكرة يوما ما سببا في ألم إنسان أو اضطراب أسرة أو حياة كاملة لم تكن لتتعثر لو أننا احترمنا منذ البداية أبسط حقوق الإنسان، أجل حقه في أن يختار.
ليس هناك إنسان “محجوز” لإنسان آخر، ولا قلب يمكن أن نحجزه قبل أن يعرف صاحبه معنى الحب، ولا حياة يجوز أن نرسمها لطفل ثم نطالبه عندما يكبر بأن يسير في الطريق الذي اخترناه له، علينا أن نعلم أبناءنا أن الحب لا يعني الامتلاك، وأن الزواج لا يعني الاستحواذ، وأن الإنسان ليس شيئا يورث أو يحجز أو ينتظر دوره في طابور العائلة.
الحب الحقيقي يبدأ من الحرية، والزواج الحقيقي يبدأ من الاختيار، والأسرة السليمة تبدأ حين يدخلها اثنان اختارا بعضهما، لا حين يدخلها اثنان قيل لهما منذ الطفولة إنهما “محجوزان لبعض”، وربما تكون أكبر إساءة نرتكبها بحق الطفولة أن نسلبها براءتها باسم المزاح، ثم نلومها عندما تكبر لأنها لم تعرف كيف تتعامل مع ما زرعناه فيها، فليتنا قبل أن نقول لطفل: “هذه محجوزة لك”، نسأل أنفسنا أي إنسان نريد أن نصنعه بهذه الجملة؟ فالكلمات لا تكبر وحدها فالأطفال هم الذين يكبرون بها.



