قد يجلس شخصٌ بعد بتر ساقه بأيام، ثم يفاجأ بأنه يشعر بألمٍ في أصابع قدمه، فيطلب من أهله أن يفحصوا قدمًا لم تعد موجودة. وقد يشعر بحكةٍ في أصابعها، أو كأنها تتحرك، ثم يتذكر أن تلك القدم غابت عن جسده، لكنها لم تغب عن دماغه.
قد يبدو الأمر غريبًا أو أقرب إلى الخيال، لكنه حقيقة طبية معروفة تُسمى بالإنجليزية Phantom Limb Phenomenon أو Phantom Limb Syndrome، ويُطلق عليها بالعربية: ظاهرة الطرف الوهمي أو ظاهرة الشبح.
وتتمثل هذه الظاهرة في شعور الإنسان بوجود عضوٍ فُقد أو بُتر، وكأنه ما زال جزءًا من جسده. فقد يشعر بحركة الأصابع، أو بالحرارة والبرودة، أو بالحكة والضغط، بل قد يشعر بالألم رغم أن الطرف نفسه لم يعد موجودًا.
ويُعتقد أن أحد أهم أسباب هذه الظاهرة هو أن الدماغ يحتفظ بتمثيلٍ دقيق لأجزاء الجسم ضمن ما يُعرف بخريطة الجسم. وعندما يفقد الإنسان أحد أعضائه، لا تختفي هذه الخريطة فورًا، بل تستمر بعض التمثيلات العصبية والتغيرات التي تحدث في الأعصاب والجهاز العصبي بعد البتر في التأثير في الإحساس. لذلك قد يستمر الدماغ في إنتاج شعورٍ يبدو وكأن الطرف ما زال موجودًا.
وقد يستمر هذا الإحساس أيامًا أو أشهرًا، بل لدى بعض الأشخاص سنوات طويلة بعد البتر. وقد يكون مجرد إحساس بوجود الطرف، بينما يعاني آخرون من ألمٍ حارق أو ضاغط أو من حكةٍ يصعب التعامل معها، رغم عدم وجود العضو ماديًا.
وقد يفقد الإنسان أحد أطرافه لأسباب مختلفة، منها الحوادث والإصابات الشديدة، أو مضاعفات مرض السكري، أو أمراض الأوعية الدموية وغيرها. ويُعد السكري من أهم عوامل خطر البتر، خصوصًا عندما تؤدي قرح القدم أو العدوى أو ضعف التروية إلى مضاعفات شديدة. ولذلك ينبغي على مريض السكري ألا يستهين بأي جرح أو قرحة في القدم، وأن يهتم بفحص قدميه والعناية بهما، وضبط مستوى السكر، ومراجعة الطبيب مبكرًا عند ظهور أي مشكلة؛ فالتدخل المبكر قد يمنع كثيرًا من المضاعفات التي قد تصل إلى البتر.
ومن هنا تأتي وقفتنا الإنسانية مع كل إنسان فقد طرفًا من أطرافه لأي سبب من الأسباب. ففقدان اليد أو الساق ليس مجرد فقدان جزء من الجسد، بل قد يفرض على الإنسان تحديات جديدة في الحركة والاستقلالية وممارسة حياته اليومية، وقد يترك أثرًا نفسيًا واجتماعيًا يحتاج إلى التفهم والدعم والتقدير.
وفي هذا الجانب، أولت المملكة العربية السعودية اهتمامًا بالأشخاص ذوي الإعاقة، وحرصت على تمكينهم وتعزيز استقلاليتهم وتسهيل وصولهم إلى الخدمات. ومن ذلك توفير التسهيلات المرورية والمواقف المخصصة لهم، إلى جانب الخدمات والبرامج والمستلزمات المساندة بحسب احتياجاتهم. كما ينص نظام حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة على حقهم في الوصول إلى البيئات والمرافق والمنشآت، وتهيئة الطرق والأرصفة ومواقف المركبات بما يسهل تنقلهم بأمان واستقلالية.
وهؤلاء الأشخاص لا يحتاجون إلى نظرات الشفقة بقدر ما يحتاجون إلى الاحترام والمساندة، وإلى مجتمع يهيئ لهم البيئة المناسبة ليواصلوا حياتهم بكرامة وثقة، ويمنحهم الفرصة ليكونوا أفرادًا فاعلين ومنتجين في المجتمع.
وحين نتأمل هذه الظاهرة، تتجلى أمامنا دقة خلق الإنسان وتعقيد العلاقة بين الدماغ والجسد. فالدماغ يحتفظ بتمثيلٍ للجسم وإحساسه وحركته، وحتى بعد فقدان أحد الأطراف قد يستمر هذا التمثيل في التأثير في تجربة الإنسان الحسية. وكلما تعمق العلماء في دراسة الدماغ والجهاز العصبي، اكتشفوا جوانب جديدة من هذا النظام الدقيق، وما زالت أمام العلم أسرار كثيرة يسعى إلى فهمها.
قال تعالى:
﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾
[الذاريات: 21]
فالتأمل في مثل هذه الظواهر الطبية لا يزيد الإنسان معرفةً بجسده فحسب، بل يفتح له بابًا للتفكر في عظمة خالقه الذي أبدع هذا الجسد، وأودع فيه من الأسرار ما لا يزال العلم يكتشفه شيئًا فشيئًا.
إن ظاهرة الشبح تذكرنا بأن الإحساس لا يعتمد دائمًا على وجود العضو بصورة مادية؛ فقد يغيب العضو عن الجسد، بينما يستمر حضوره في خريطة الدماغ وفي تجربة الإنسان الحسية. وهنا ندرك مدى تعقيد الإنسان، ونتأمل في عظمة الخالق الذي أبدع هذا الجسد وأحكم صنعه.
الحكمة
كلما ازداد الإنسان معرفةً بأسرار نفسه، ازداد يقينًا بعظمة خالقه؛ فدقة الخلق دليل على عظمة الخالق.



