يقول الدكتور غازي القصيبي في إحدى قصائده:
وعدتُ من المعارك.. لستُ أدري ..
علامَ أضعتُ عُمري في النزالِ
شكا صديقٌ أمرًا اعتبره عظيمًا بينما أنا رأيته أصغرَ مما يستحق. قلت له: سيدي وفر جهدكَ وتعبكَ لما يستحق.
لدى الغربيين نصيحة ألا وهي: "Choose Your Battles Carefully"، أو "اختر معاركك بعناية". نصيحة تشير إلى حقيقة قدرة الإنسان أن يخترعَ معارك وهمية تشغله عن المعارك الحقيقية التي تستحق الجهد والوقت.
يبدو أن السنين الطويلة تعلم الإنسان - الكائن العاقل - أي معركة يختار! في سنوات الشباب يتعارك ويغضب لأبَسط وأَتفه الأشياء والأمور. ثم عندما يكبر يكبر العقل معه وتدّب في روحه نزعة نحو المرونة وحسن الاختيار.
من أين نبدأ؟
تُعد الصراعات في حياتنا أمرًا حتميًّا لا مفر منه، مثلها مثل تعاقب الفصول؛ لولاها لغدت الحياة رتيبة ومملة. ترانا في صراعات منذ الطفولة حتى ساعة الممات. صراعات في العلاقات الشخصية، أو بيئات العمل، أو السياقات المجتمعية الأوسع؛ صراعات بناءة أو ضارة، يعتمد كليًّا على كيفية إدارتها.
يعني أن حضرتك تقول لي: كن جبانًا؟ كل أحد يركب على ظهري أقول له: تفضل على الرحبِ والسعة؟
لا لا أبدًا. على العكس، أنا أقول لك: وفر جهدكَ وطاقتكَ لما يستحق. لو دخلتَ في كل عراك صغيرًا كان أم كبيرًا تخسر.
سَتُبدي لَكَ الأَيّامُ ما كُنتَ جاهِلاً!
في حالتي - أنا - قرار إلقاء السيف قبل أن تضع المعركة أوزارها، أو حتى قبل أن تبدأ، ضروري لكي أعيش بسلام. التراجع ليس بالأمر السهل دائمًا. أحيانًا يعيقنا كبريائنا. بدلًا من دراسة الإيجابيات والسلبيات، نتخذ قرارات غير حكيمة لإثبات وجهة نظرنا. ثم النتيجة لا تساوي رأس بصل!
حقيقة لا تحتاج إلى برهان؛ الحياة تحتاج بعضًا من الجدية والمواجهة وبعضًا من المصانعة:
وَمَن لا يُصانِع في أُمورٍ كَثيرَةٍ ..
يُضَرَّس بِأَنيابٍ وَيوطَأ بِمَنسِمِ
ما كلّ أحد يصفعني على جبهتي أقول له: شكرًا سيدي ولا كل أحدٍ داس على طرف إزاري أضربه بالسيف! تخيل أن الملاكم المعروف محمد علي (١٧ يناير ١٩٤٢ – ٣ يونيو ٢٠١٦) دخل في ملاكمة مع كل أحد! كم مبارزة يفوز فيها؟
إذا كنت تاجرًا ناجحًا، أم مبدعا الإدارة، أو في أي مهنة أخرى، سوف تجد منافسين بغضاء. حتى وإن كنت شخصًا عاديًّا سوف تجد في الناس من يزعجك، من يريد أن يلاكمك. هل تقول له: مرحبًا أم كما يقول الشاعر:
ما بقبق الكوزُ إلا من تألّمهِ ..
يشكو إلى الماءِ ما قاسى من النّارِ
لو كل كلبٍ عوى القمته حجراً ..
لأصبحَ الصخرُ مثقالًا بدينارِ



