06 , سبتمبر 2026

القطيف اليوم

حين يُقسَّم العمر

تُنسب إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام أبياتٌ تهزُّ القلب قبل السمع، وتوقظ العقل قبل الدمع:

إذا عاشَ الفتى ستينَ عامًا
فنصفُ العمرِ تمحقُه الليالي
ونصفُ النصفِ يذهبُ ليس يدري
لغفلتِه يمينًا عن شمالِ
وثلثُ النصفِ آمالٌ وحرصٌ
وشغلٌ بالمكاسبِ والعيالِ
وباقي العمرِ أسقامٌ وشيبٌ
وهمٌّ بارتحالٍ وانتقالِ

والمعنى ليس أن النوم مذموم، ولا أن السعي للرزق محرَّم، ولا أن العيال عبءٌ يُلام؛ بل إن الرسالة أعمق من الحساب، وأبلغ من الأرقام: أن العمر رأسُ مالٍ لا يُعوَّض، وأن الأيام إذا مضت لا تُسترجع، وأن الإنسان قد يعيش ستين عامًا، ولا يعيش منها لنفسه ولربه ولرسالته إلا قليلًا.

ينام الإنسان ثلث يومه، ويقضي جزءًا آخر في طلب معاشه، ويهدر ساعات في لهوٍ لا ينفع، وجدالٍ لا يرفع، وخصامٍ لا يجمع، وتصفّحٍ لا يشبع؛ ثم يفاجئه الشيب وقد تسلّل، والضعف وقد تمكّن، والزمان وقد تبدّل، فيسأل نفسه: أين مضت السنون؟ وأين ذهبت الأيام؟ وماذا بقي لي منها غير الذكريات والآثار؟

إن طول العمر ليس بكثرة السنين، بل بكثرة ما يُزرع فيها من خيرٍ ودين، وعلمٍ ويقين، وبرٍّ وإحسان، وعملٍ يبقى بعد رحيل الإنسان.

فمن عاش يومًا أصلح فيه قلبًا، أو علّم فيه علمًا، أو برّ فيه والدًا، أو رحم فيه محتاجًا، أو ربّى ولدًا، أو وصل رحمًا، أو نشر خيرًا؛ فقد جعل لذلك اليوم عمرًا بعد عمره، وأثرًا بعد قبره، وذكرًا بعد غيابه.

أما من أضاع أيامه في انتظار الغد، فقد لا يأتيه الغد؛ ومن جعل حياته كلها لجمع المال، فقد يجمعه لغيره ويرحل؛ ومن أجّل التوبة، وأخّر الصلة، وسوّف الإحسان، فقد يطرق الرحيل بابه قبل أن يفتح هو باب العمل.

قال تعالى: ﴿حَتّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ المَوتُ قالَ رَبِّ ارجِعونِ ۝ لَعَلّي أَعمَلُ صالِحًا فيما تَرَكتُ﴾.
هناك يعرف الإنسان قيمة الدقيقة، ولكن بعد أن انتهت الدقائق، ويعرف ثمن الفرصة بعد أن أُغلقت الطرق.

فلا تجعل عمرك انتظارًا للتقاعد كي ترتاح، ولا للغنى كي تتصدّق، ولا للفراغ كي تصل رحمك، ولا للكبر كي تتعبّد؛ فإن الحياة لا تنتظر خططنا، والأجل لا يستأذن أعمارنا.

عِش يومك وكأنه قطعة من عمرك لا تتكرر، وأعطِ أهلك من وقتك قبل أن تعطيهم مالك، وأعطِ روحك من العبادة قبل أن يعطيها المرض راحةً إجبارية، وأعطِ مجتمعك من علمك قبل أن يصبح علمك ذكرى.

فالساعة التي تمضي لا تعود، واليوم الذي ينقضي لا يُسترد، والعمر وإن طال فهو قصير، وإن كثر فهو يسير.

والعاقل ليس من يسأل: كم بقي لي من العمر؟
بل من يسأل كل صباح: ماذا سأجعل يبقى مني بعد العمر؟


error: المحتوي محمي