06 , سبتمبر 2026

القطيف اليوم

لماذا أصبح الاحتراق الوظيفي أمرًا طبيعيًا؟

لسنوات طويلة، ارتبط الموظف المثالي بصورة الشخص الذي يصل مبكرًا، ويغادر متأخرًا، ويتحمل ضغط العمل بصمت. كان البقاء لساعات أطول دليلًا على الاجتهاد، والإرهاق جزءًا طبيعيًا من رحلة النجاح.

لكن الجيل الحالي لا ينظر إلى العمل بالطريقة ذاتها.

وهذا لا يعني أنه أقل التزامًا أو قدرة على تحمل المسؤولية، بل إن نظرته إلى العمل تغيرت. لم تعد الوظيفة مركز الحياة، وإنما جزء منها إلى جانب الأسرة، والصحة، والعلاقات، والاهتمامات الشخصية.

ورغم هذا التحول، لا تزال بعض بيئات العمل تُدار بعقلية مختلفة، فالحضور أهم من الإنجاز، وعدد الساعات أهم من جودة العمل، والبقاء بعد انتهاء الدوام قد يُفسر على أنه إخلاص. ومع الوقت، يصبح الضغط المستمر أمرًا اعتياديًا، حتى يصل الموظف إلى مرحلة الإنهاك، ثم يُطلب منه أن يتعلم كيف يدير ضغوطه بصورة أفضل.

لكن هل المشكلة دائمًا في قدرة الموظف على إدارة الضغط، أم في بيئة عمل جعلت الضغط أسلوبًا للإدارة؟

لقد تغير العالم الذي نعمل فيه. الهاتف والبريد الإلكتروني ومجموعات المحادثة جعلت الموظف متاحًا في كل مكان، وأصبح من السهل أن تصل مهمة في المساء أو سؤال في يوم الإجازة، فتلاشت تدريجيًا الحدود بين وقت العمل ووقت الإنسان.

ولهذا، لم تعد المرونة ميزة إضافية، بل جزءًا مهمًا من بيئة العمل الحديثة. وهي لا تعني غياب الانضباط، وإنما الانتقال من إدارة الموظف بالوقت إلى إدارته بالنتائج، واحترام الوقت خارج ساعات العمل، وتقييم الأداء بناءً على جودة الإنجاز لا عدد الساعات.

كذلك، لا ينبغي أن يتحول اختلاف الأجيال إلى مقارنة بين "جيل كان يتحمل" و"جيل مدلل لا يريد العمل" فالجيل السابق عمل وفق ظروف عصره، والجيل الحالي يعمل في ظروف مختلفة. وكما تغيرت التقنية وطبيعة الوظائف وسرعة الحياة، فمن الطبيعي أن تتغير معها توقعات الإنسان من مكان عمله.

لذلك، ربما السؤال الذي ينبغي أن تطرحه المؤسسات ليس: لماذا تغير الموظفون؟

وإنما: لماذا نتوقع أن يبقى أسلوب العمل كما كان؟

فالبحث عن التوازن لا يعني قلة الطموح، والرغبة في المرونة لا تعني ضعف الالتزام. وقد يكون الموظف أكثر استعدادًا للعطاء حين يعرف أن حياته خارج المكتب محترمة، وأن قيمته المهنية تُقاس بما ينجزه، لا بقدرته على البقاء مرهقًا لأطول فترة ممكنة.

فالاحتراق الوظيفي ليس وسامًا للموظف المجتهد، والإرهاق المستمر ليس ثمنًا إلزاميًا للنجاح.

العمل مهم، لكنه في النهاية جزء من الحياة، وليس الحياة كلها.


error: المحتوي محمي