حين نتأمل مباني القطيف القديمة، تلفت أنظارنا الجدران والجص والزخارف والأبواب والدرايش والرواشن والأقواس، وخلف هذه التفاصيل عناصر أخرى مهمة كانت تحمل المبنى وتمنحه تماسكه، ومن أهم هذه العناصر الخشب.
خشب متنوع
تميزت العمارة التقليدية في القطيف بتنوع الأخشاب المستخدمة فيها، وتغيرت مصادرها واستخداماتها مع مرور الزمن. بدأ الأستاذ البنّاء بما توفر حوله من أشجار البيئة، ثم دخلت الأخشاب المستوردة مع اتساع الحركة التجارية البحرية، وأصبح بعضها حاضرًا بصورة واضحة في الأسقف والعتبات والأبواب والعوارض والدرج والنوافذ.
الچندل - الكندل - الكندلاء - الدنچل
ومن بين هذه الأخشاب برز الكندل، أو الچندل، أو الدنجل! وهو الاسم الذي بقي حاضرًا في ذاكرة أهل القطيف، حتى أصبح جزءًا من مفردات العمارة التقليدية المهمة.
حين كانت البيئة مصدر البناء
اعتمد الإنسان في واحة القطيف، كما في كثير من البيئات القديمة، على المواد التي يستطيع الحصول عليها من محيطه الزراعي والبري، وكانت الأخشاب المحلية حاضرة في أعمال البناء، ومنها النخيل والكعك والسدر واللوز والأثل وغيرها من الأشجار التي توفر خشبها بدرجات متفاوتة من القوة والطول والاستقامة، واستخدمت هذه الأخشاب في الأبواب وأسقف الغرف والدهاليز وأبواب الدكاكين والمنارات والعتبات والعوارض وبعض العناصر الأخرى.
وكانت قيمة الخشب مرتبطة بما يملكه من خصائص، فالسماكة والطول والاستقامة والمتانة عوامل تدخل في اختيار القطعة ومكان استخدامها، ولذلك كانت النجارة مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالمعرفة المحلية، فالنجار يعرف المادة التي بين يديه، ويعرف صفاتها وحدودها، ويختار منها ما يناسب الوظيفة المطلوبة.
من خشب الواحة إلى خشب يأتي من البحر
مع نمو التجارة واتساع حركة السفن في القطيف، لم تعد مواد البناء محصورة فيما تنتجه البيئة المحلية. بدأت الأخشاب المستوردة تصل إلى الأسواق المحلية، ومن بينها ما عرف محليًا باسم الكندل أو الجندل.
وتشير كتابات تراثية خليجية إلى أن الجندل كان من الأخشاب الرائجة في العقود الأولى من القرن العشرين، وأصبح من الأخشاب المصاحبة للعمارة والبناء في مناطق الخليج، كما تربط بعض الروايات والدراسات التراثية مصدره بمناطق شرق إفريقيا، وهذه المعلومة تفتح لنا بابًا مهمًا لفهم طبيعة العلاقات التجارية القديمة، فالخشب الذي دخل سقف البيت القطيفي كان يمكن أن يكون قد قطع مسافة طويلة قبل أن يصل إلى يد النجار.
عدة أسماء
الكندل، اسم يحمل أكثر من احتمال.
وهنا نحتاج إلى شيء من الحذر في تحديد هوية هذا الخشب، فاسم «Chundal» يظهر في المراجع الخاصة بالأخشاب الآسيوية بوصفه اسمًا مرتبطًا بأنواع نباتية في جنوب شرق آسيا، ومن بينها Tetrameles nudiflora. وتصف المصادر المتخصصة هذا الخشب بأنه خفيف، سهل النشر والتشغيل، ذو نسيج متوسط إلى خشن، مع اختلاف خصائصه بحسب المصدر والعينة.
لكن وجود هذا الاسم في المصادر الآسيوية لا يكفي وحده للقول إن الكندل المستخدم في عمارة القطيف هو هذا النوع تحديدًا، فالاسم الشعبي أو التجاري للخشب قد ينتقل بين الموانئ والأسواق، وقد يطلق في منطقة على خشب مختلف عما يسمى به في منطقة أخرى، ولهذا فإن تحديد النوع النباتي للكندل القطيفي يحتاج إلى وثائق تاريخية أو عينات خشبية قديمة يمكن فحصها ومقارنتها، وهذه نقطة مهمة عند توثيق التراث، فالاسم المتداول يحفظ ذاكرة المجتمع، أما تحديد النوع العلمي فيحتاج إلى دليل آخر.
لماذا وجد الكندل طريقه إلى العمارة؟
يمكن فهم انتشار الكندل من خلال حاجة البناء إلى أخشاب أقوى وذات أطوال ومقاسات مناسبة، وإلى قطع يمكن تشغيلها واستخدامها في العناصر التي تحتاج إلى قدرة على التحمل، وكان اختلاف أقطار الكندلات وسماكاتها يسمح للنجار باختيار القطعة التي تناسب موقعها، فالخشبة الطويلة المستقيمة لها وظيفة تختلف عن قطعة أقصر، والكندلة ذات المقطع الأكبر تختلف في استخدامها عن القطعة الصغيرة، ولهذا أصبحت جودة الاختيار جزءًا من مهارة النجارة.
النجار كان يقرأ الخشب
عندما نتحدث عن النجارة القديمة، فإننا نتحدث عن حرفة قائمة على المهارة والملاحظة والتجربة، كان النجار ينظر إلى الخشب ويعرف استقامته، ويتفحص قطره وسماكته وطوله، ويحدد الموضع الذي يمكن أن يؤدي فيه وظيفته. لم تكن هذه المعرفة مكتوبة في جداول أو مخططات في معظم الأحيان، كانت تنتقل من المعلم إلى المتعلم، ومن جيل إلى جيل، من خلال العمل اليومي، وكانت العين والخبرة تؤديان دورًا كبيرًا في اختيار المادة، وهذا ما يجعل النجارة جزءًا مهمًا من تاريخ العمارة التقليدية بالقطيف، لأن جودة البناء لم تكن مرتبطة بالمادة وحدها، بل بالطريقة التي تعامل بها الحرفي معها.
الچندل في الأسقف
كان السقف من أبرز المجالات التي استخدم فيها الكندل، فتوضع الكندلات بصورة متوازية، وتستند على (كتف) الجدران أو العوارض، ثم تحمل طبقات السقف التي توضع فوقها، وهنا تظهر أهمية قطر الكندلة وسماكتها وطولها، فالتباعد بين الكندلات لم يكن رقمًا ثابتًا يصلح لكل المباني، بل كان يتأثر بمقطع الخشب، وطول المسافة التي يغطيها، والأحمال الواقعة فوقه، وطريقة الاستناد، وطبيعة طبقات السقف، وكلما كان مقطع الكندلة أكبر وأقوى، أمكن زيادة المسافة بينها ضمن الحدود التي تسمح بها ظروف السقف.
ولهذا فإن الحديث عن مسافة محددة، مثل عشرين سنتيمترًا، ينبغي أن يقدم بوصفه ملاحظة ميدانية في بعض المباني، لا قاعدة عامة تنطبق على جميع الأسقف، وهذا التفصيل مهم جدًا عند توثيق العمارة التقليدية، لأن خبرة النجار كانت تتعامل مع كل مبنى بحسب ظروفه.
الخشب وتوزيع الأحمال
كان ترتيب الكندلات يؤدي وظيفة مهمة في السقف، إذ تتوزع الأحمال على مجموعة من العناصر الخشبية بدل أن تتركز في قطعة واحدة، وكان اختيار المقطع المناسب وترتيب القطع وتحديد المسافات بينها جزءًا من عملية البناء، ومن هنا نفهم أن النجار كان يمتلك معرفة عملية بما يمكن للخشب أن يتحمله، حتى وإن لم يستخدم المصطلحات الهندسية الحديثة مثل «الإجهاد» و«معامل المرونة».
كانت لديه لغة أخرى: التجربة، والمشاهدة، والمقارنة، والخبرة.
استخدامات أخرى للكندل
لم يقتصر استخدام الكندل على الأسقف، فقد استخدم في تقوية عتبات المداخل والدرج، وبعض عوارض الأبواب والدرايش، وفي المواضع التي تحتاج إلى قطع خشبية بأطوال ومقاسات مناسبة، وكانت طبيعة العنصر هي التي تحدد حجم الخشب المطلوب، فقطعة تستخدم في عتبة قصيرة لا تعامل بالطريقة نفسها التي تستخدم بها كندلة تمتد لمسافة أطول داخل السقف، وهنا تتجلى خبرة النجار في قراءة الموقع قبل اختيار القطعة.
حماية الخشب من الزمن
وكأي مادة طبيعية، كان الخشب عرضة للتلف، فالرطوبة والحرارة والحشرات والدود والعوامل البيئية يمكن أن تؤثر في عمره، خصوصًا إذا كان في أماكن معرضة لهذه الظروف، ولهذا كان بعض أصحاب البيوت يهتمون بدهن الخشب أو معالجته للمساعدة في حمايته وإطالة عمره، وتختلف قدرة الأخشاب على مقاومة الآفات باختلاف أنواعها، فبعض الأخشاب التي تحمل اسم الكندل اللين في المصادر العلمية، مثل Tetrameles nudiflora، توصف بأنها قابلة للإصابة بالنمل الأبيض وبعض الحشرات، مع إمكانية معالجتها جيدًا بالمواد الحافظة.
وهذه المعلومة تجعلنا أكثر حذرًا من القول إن «الكندل مقاوم للارضة» على إطلاقه، فالأدق أن نقول إن بعض الأخشاب المستخدمة تحت هذا الاسم كانت تتمتع بخصائص أفضل في ظروف معينة، وأن (المعالجة والصيانة) كانتا عاملين مهمين في الحفاظ عليها.
التجارة التي كانت خلف الخشب
يحكي الكندل جانبًا من الحياة الاقتصادية في القطيف، فالخشب المحلي يأتي من البيئة، أما الخشب المستورد فيحتاج إلى رحلة أخرى تبدأ من مكان إنتاجه، ثم النقل، ثم السفن والموانئ، ثم الأسواق والتخزين، وأخيرًا يصل إلى النجار، وهذه الحركة تعكس شبكة واسعة من التجارة البحرية التي ربطت القطيف بالمناطق المحيطة به، فالقطيف كانت واحة لها امتداد بحري وتجاري، وما دخل مبانيها من مواد مستوردة كان شاهدًا على علاقاتها بالأسواق والموانئ الأخرى.
ومن هنا يصبح الخشب وثيقة اقتصادية أيضًا، لأنه يخبرنا عن حركة السلع والأيدي العاملة والحرف والأسواق.
النجارة، حرفة تحتاج إلى وفرة وخبرة وقوة أدوات
ازدهار النجارة بواحة القطيف يحتاج إلى أكثر من وجود الخشب، يحتاج إلى نجار (عوائل)؟ يعرف كيف يتعامل معه، وأدوات تساعده، وسوق يوفر المادة، وأصحاب مبانٍ يحتاجون إلى خدماته، ولهذا ارتبطت النجارة بالحياة الاقتصادية والاجتماعية للمدينة، وكان النجار جزءًا من منظومة البناء، يعمل إلى جانب الأستاذ والبنّاء والجصّاص والحداد والقلاف وغيرهما من أصحاب الحرف، وكل واحد منهم يكمل الآخر، ومن خلال هذه الحرف المتخصصة تشكلت صورة البيت القطيفي.
من الخشب الإنشائي إلى الخشب التراثي
مع دخول مواد البناء الحديثة، تغيرت وظيفة وأهمية الخشب، أصبح الحديد والخرسانة والمواد الحديثة تؤدي أدوارًا إنشائية رئيسية في المباني الجديدة، وتراجعت الحاجة إلى الأساليب القديمة في تسقيف البيوت، لكن الكندل بقي حاضرًا! فقد انتقل من دوره الإنشائي إلى دور جمالي وتراثي، نراه اليوم في المجالس، والمطاعم، والفنادق، والمنشآت التجارية، والقرى التراثية، وفي بعض التصاميم الداخلية التي تستلهم صورة البيت القديم، تظهر الكندلات في الأسقف والواجهات والمحجرات (الدرابزين)، والعناصر الداخلية، وأحيانًا كثيرة تكون وظيفتها الأساسية استحضار روح العمارة التقليدية.
حين يتحول الخشب إلى ذاكرة
عندما نرى چندلة قديمة في سقف بيت، فإننا نستطيع أن نقرأ فيها أكثر من تاريخ مادة، نرى أثر الحرفة، ونستحضر طريقة البناء، ونتذكر علاقة البيت بالبيئة، ونتخيل الطريق الذي قطعته الأخشاب المستوردة حتى وصلت إلى السوق ثم إلى يد النجار، وربما لهذا بقي الخشب حاضرًا في الذاكرة حتى بعد تغير تقنيات البناء، فالكندل الذي كان يحمل السقف في الماضي أصبح اليوم يحمل صورة السقف القديم، والقطعة التي كانت جزءًا من وظيفة إنشائية أصبحت جزءًا من هوية المكان.
بين النخلة والبحر
تخبرنا رحلة الخشب في عمارة واحة القطيف عن مجتمع عرف كيف يستفيد من بيئته، ثم كيف يستقبل المواد القادمة من الخارج ويعيد توظيفها وفق حاجته، بدأت الحكاية بأخشاب محلية مثل النخيل والكعك والسدر واللوز والأثل وغيرها من الخشب، ثم اتسعت الخيارات مع التجارة الخارجية، ودخلت الأخشاب المستوردة إلى البيوت والأسواق، وكان للتاجر والنجار دور أساسي في هذه الرحلة، فهما الذي يعرفا المادة، ويختارا القطعة، ويحددا موضعها، ويضبطا تباعدها، ويمنحها وظيفة داخل المبنى، ومع تغير الزمن تغيرت وظيفة الكندل، لكن صورته بقيت.
فقد خرج من دوره الإنشائي القديم إلى فضاءات المجالس والمطاعم والفنادق والقرى التراثية، محتفظًا بحضوره بوصفه علامة على الماضي.
وفي النهاية، فإن قصة الخشب في واحة القطيف ليست قصة مادة، بل قصة بيئة وحرفة وتجارة وعمارة وذاكرة.
خشب من الواحة، وخشب جاء عبر البحر، ونجار عرف كيف يجمع الاثنين في بيت واحد.
وهكذا بقي الخشب شاهدًا على أن العمارة القديمة كانت تعرف قيمة المادة، وتحترم الحرفة، وتستفيد من كل ما يصل إليها من الأرض والبحر والبر.




خشب متنوع
تميزت العمارة التقليدية في القطيف بتنوع الأخشاب المستخدمة فيها، وتغيرت مصادرها واستخداماتها مع مرور الزمن. بدأ الأستاذ البنّاء بما توفر حوله من أشجار البيئة، ثم دخلت الأخشاب المستوردة مع اتساع الحركة التجارية البحرية، وأصبح بعضها حاضرًا بصورة واضحة في الأسقف والعتبات والأبواب والعوارض والدرج والنوافذ.
الچندل - الكندل - الكندلاء - الدنچل
ومن بين هذه الأخشاب برز الكندل، أو الچندل، أو الدنجل! وهو الاسم الذي بقي حاضرًا في ذاكرة أهل القطيف، حتى أصبح جزءًا من مفردات العمارة التقليدية المهمة.
حين كانت البيئة مصدر البناء
اعتمد الإنسان في واحة القطيف، كما في كثير من البيئات القديمة، على المواد التي يستطيع الحصول عليها من محيطه الزراعي والبري، وكانت الأخشاب المحلية حاضرة في أعمال البناء، ومنها النخيل والكعك والسدر واللوز والأثل وغيرها من الأشجار التي توفر خشبها بدرجات متفاوتة من القوة والطول والاستقامة، واستخدمت هذه الأخشاب في الأبواب وأسقف الغرف والدهاليز وأبواب الدكاكين والمنارات والعتبات والعوارض وبعض العناصر الأخرى.
وكانت قيمة الخشب مرتبطة بما يملكه من خصائص، فالسماكة والطول والاستقامة والمتانة عوامل تدخل في اختيار القطعة ومكان استخدامها، ولذلك كانت النجارة مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالمعرفة المحلية، فالنجار يعرف المادة التي بين يديه، ويعرف صفاتها وحدودها، ويختار منها ما يناسب الوظيفة المطلوبة.
من خشب الواحة إلى خشب يأتي من البحر
مع نمو التجارة واتساع حركة السفن في القطيف، لم تعد مواد البناء محصورة فيما تنتجه البيئة المحلية. بدأت الأخشاب المستوردة تصل إلى الأسواق المحلية، ومن بينها ما عرف محليًا باسم الكندل أو الجندل.
وتشير كتابات تراثية خليجية إلى أن الجندل كان من الأخشاب الرائجة في العقود الأولى من القرن العشرين، وأصبح من الأخشاب المصاحبة للعمارة والبناء في مناطق الخليج، كما تربط بعض الروايات والدراسات التراثية مصدره بمناطق شرق إفريقيا، وهذه المعلومة تفتح لنا بابًا مهمًا لفهم طبيعة العلاقات التجارية القديمة، فالخشب الذي دخل سقف البيت القطيفي كان يمكن أن يكون قد قطع مسافة طويلة قبل أن يصل إلى يد النجار.
عدة أسماء
الكندل، اسم يحمل أكثر من احتمال.
وهنا نحتاج إلى شيء من الحذر في تحديد هوية هذا الخشب، فاسم «Chundal» يظهر في المراجع الخاصة بالأخشاب الآسيوية بوصفه اسمًا مرتبطًا بأنواع نباتية في جنوب شرق آسيا، ومن بينها Tetrameles nudiflora. وتصف المصادر المتخصصة هذا الخشب بأنه خفيف، سهل النشر والتشغيل، ذو نسيج متوسط إلى خشن، مع اختلاف خصائصه بحسب المصدر والعينة.
لكن وجود هذا الاسم في المصادر الآسيوية لا يكفي وحده للقول إن الكندل المستخدم في عمارة القطيف هو هذا النوع تحديدًا، فالاسم الشعبي أو التجاري للخشب قد ينتقل بين الموانئ والأسواق، وقد يطلق في منطقة على خشب مختلف عما يسمى به في منطقة أخرى، ولهذا فإن تحديد النوع النباتي للكندل القطيفي يحتاج إلى وثائق تاريخية أو عينات خشبية قديمة يمكن فحصها ومقارنتها، وهذه نقطة مهمة عند توثيق التراث، فالاسم المتداول يحفظ ذاكرة المجتمع، أما تحديد النوع العلمي فيحتاج إلى دليل آخر.
لماذا وجد الكندل طريقه إلى العمارة؟
يمكن فهم انتشار الكندل من خلال حاجة البناء إلى أخشاب أقوى وذات أطوال ومقاسات مناسبة، وإلى قطع يمكن تشغيلها واستخدامها في العناصر التي تحتاج إلى قدرة على التحمل، وكان اختلاف أقطار الكندلات وسماكاتها يسمح للنجار باختيار القطعة التي تناسب موقعها، فالخشبة الطويلة المستقيمة لها وظيفة تختلف عن قطعة أقصر، والكندلة ذات المقطع الأكبر تختلف في استخدامها عن القطعة الصغيرة، ولهذا أصبحت جودة الاختيار جزءًا من مهارة النجارة.
النجار كان يقرأ الخشب
عندما نتحدث عن النجارة القديمة، فإننا نتحدث عن حرفة قائمة على المهارة والملاحظة والتجربة، كان النجار ينظر إلى الخشب ويعرف استقامته، ويتفحص قطره وسماكته وطوله، ويحدد الموضع الذي يمكن أن يؤدي فيه وظيفته. لم تكن هذه المعرفة مكتوبة في جداول أو مخططات في معظم الأحيان، كانت تنتقل من المعلم إلى المتعلم، ومن جيل إلى جيل، من خلال العمل اليومي، وكانت العين والخبرة تؤديان دورًا كبيرًا في اختيار المادة، وهذا ما يجعل النجارة جزءًا مهمًا من تاريخ العمارة التقليدية بالقطيف، لأن جودة البناء لم تكن مرتبطة بالمادة وحدها، بل بالطريقة التي تعامل بها الحرفي معها.
الچندل في الأسقف
كان السقف من أبرز المجالات التي استخدم فيها الكندل، فتوضع الكندلات بصورة متوازية، وتستند على (كتف) الجدران أو العوارض، ثم تحمل طبقات السقف التي توضع فوقها، وهنا تظهر أهمية قطر الكندلة وسماكتها وطولها، فالتباعد بين الكندلات لم يكن رقمًا ثابتًا يصلح لكل المباني، بل كان يتأثر بمقطع الخشب، وطول المسافة التي يغطيها، والأحمال الواقعة فوقه، وطريقة الاستناد، وطبيعة طبقات السقف، وكلما كان مقطع الكندلة أكبر وأقوى، أمكن زيادة المسافة بينها ضمن الحدود التي تسمح بها ظروف السقف.
ولهذا فإن الحديث عن مسافة محددة، مثل عشرين سنتيمترًا، ينبغي أن يقدم بوصفه ملاحظة ميدانية في بعض المباني، لا قاعدة عامة تنطبق على جميع الأسقف، وهذا التفصيل مهم جدًا عند توثيق العمارة التقليدية، لأن خبرة النجار كانت تتعامل مع كل مبنى بحسب ظروفه.
الخشب وتوزيع الأحمال
كان ترتيب الكندلات يؤدي وظيفة مهمة في السقف، إذ تتوزع الأحمال على مجموعة من العناصر الخشبية بدل أن تتركز في قطعة واحدة، وكان اختيار المقطع المناسب وترتيب القطع وتحديد المسافات بينها جزءًا من عملية البناء، ومن هنا نفهم أن النجار كان يمتلك معرفة عملية بما يمكن للخشب أن يتحمله، حتى وإن لم يستخدم المصطلحات الهندسية الحديثة مثل «الإجهاد» و«معامل المرونة».
كانت لديه لغة أخرى: التجربة، والمشاهدة، والمقارنة، والخبرة.
استخدامات أخرى للكندل
لم يقتصر استخدام الكندل على الأسقف، فقد استخدم في تقوية عتبات المداخل والدرج، وبعض عوارض الأبواب والدرايش، وفي المواضع التي تحتاج إلى قطع خشبية بأطوال ومقاسات مناسبة، وكانت طبيعة العنصر هي التي تحدد حجم الخشب المطلوب، فقطعة تستخدم في عتبة قصيرة لا تعامل بالطريقة نفسها التي تستخدم بها كندلة تمتد لمسافة أطول داخل السقف، وهنا تتجلى خبرة النجار في قراءة الموقع قبل اختيار القطعة.
حماية الخشب من الزمن
وكأي مادة طبيعية، كان الخشب عرضة للتلف، فالرطوبة والحرارة والحشرات والدود والعوامل البيئية يمكن أن تؤثر في عمره، خصوصًا إذا كان في أماكن معرضة لهذه الظروف، ولهذا كان بعض أصحاب البيوت يهتمون بدهن الخشب أو معالجته للمساعدة في حمايته وإطالة عمره، وتختلف قدرة الأخشاب على مقاومة الآفات باختلاف أنواعها، فبعض الأخشاب التي تحمل اسم الكندل اللين في المصادر العلمية، مثل Tetrameles nudiflora، توصف بأنها قابلة للإصابة بالنمل الأبيض وبعض الحشرات، مع إمكانية معالجتها جيدًا بالمواد الحافظة.
وهذه المعلومة تجعلنا أكثر حذرًا من القول إن «الكندل مقاوم للارضة» على إطلاقه، فالأدق أن نقول إن بعض الأخشاب المستخدمة تحت هذا الاسم كانت تتمتع بخصائص أفضل في ظروف معينة، وأن (المعالجة والصيانة) كانتا عاملين مهمين في الحفاظ عليها.
التجارة التي كانت خلف الخشب
يحكي الكندل جانبًا من الحياة الاقتصادية في القطيف، فالخشب المحلي يأتي من البيئة، أما الخشب المستورد فيحتاج إلى رحلة أخرى تبدأ من مكان إنتاجه، ثم النقل، ثم السفن والموانئ، ثم الأسواق والتخزين، وأخيرًا يصل إلى النجار، وهذه الحركة تعكس شبكة واسعة من التجارة البحرية التي ربطت القطيف بالمناطق المحيطة به، فالقطيف كانت واحة لها امتداد بحري وتجاري، وما دخل مبانيها من مواد مستوردة كان شاهدًا على علاقاتها بالأسواق والموانئ الأخرى.
ومن هنا يصبح الخشب وثيقة اقتصادية أيضًا، لأنه يخبرنا عن حركة السلع والأيدي العاملة والحرف والأسواق.
النجارة، حرفة تحتاج إلى وفرة وخبرة وقوة أدوات
ازدهار النجارة بواحة القطيف يحتاج إلى أكثر من وجود الخشب، يحتاج إلى نجار (عوائل)؟ يعرف كيف يتعامل معه، وأدوات تساعده، وسوق يوفر المادة، وأصحاب مبانٍ يحتاجون إلى خدماته، ولهذا ارتبطت النجارة بالحياة الاقتصادية والاجتماعية للمدينة، وكان النجار جزءًا من منظومة البناء، يعمل إلى جانب الأستاذ والبنّاء والجصّاص والحداد والقلاف وغيرهما من أصحاب الحرف، وكل واحد منهم يكمل الآخر، ومن خلال هذه الحرف المتخصصة تشكلت صورة البيت القطيفي.
من الخشب الإنشائي إلى الخشب التراثي
مع دخول مواد البناء الحديثة، تغيرت وظيفة وأهمية الخشب، أصبح الحديد والخرسانة والمواد الحديثة تؤدي أدوارًا إنشائية رئيسية في المباني الجديدة، وتراجعت الحاجة إلى الأساليب القديمة في تسقيف البيوت، لكن الكندل بقي حاضرًا! فقد انتقل من دوره الإنشائي إلى دور جمالي وتراثي، نراه اليوم في المجالس، والمطاعم، والفنادق، والمنشآت التجارية، والقرى التراثية، وفي بعض التصاميم الداخلية التي تستلهم صورة البيت القديم، تظهر الكندلات في الأسقف والواجهات والمحجرات (الدرابزين)، والعناصر الداخلية، وأحيانًا كثيرة تكون وظيفتها الأساسية استحضار روح العمارة التقليدية.
حين يتحول الخشب إلى ذاكرة
عندما نرى چندلة قديمة في سقف بيت، فإننا نستطيع أن نقرأ فيها أكثر من تاريخ مادة، نرى أثر الحرفة، ونستحضر طريقة البناء، ونتذكر علاقة البيت بالبيئة، ونتخيل الطريق الذي قطعته الأخشاب المستوردة حتى وصلت إلى السوق ثم إلى يد النجار، وربما لهذا بقي الخشب حاضرًا في الذاكرة حتى بعد تغير تقنيات البناء، فالكندل الذي كان يحمل السقف في الماضي أصبح اليوم يحمل صورة السقف القديم، والقطعة التي كانت جزءًا من وظيفة إنشائية أصبحت جزءًا من هوية المكان.
بين النخلة والبحر
تخبرنا رحلة الخشب في عمارة واحة القطيف عن مجتمع عرف كيف يستفيد من بيئته، ثم كيف يستقبل المواد القادمة من الخارج ويعيد توظيفها وفق حاجته، بدأت الحكاية بأخشاب محلية مثل النخيل والكعك والسدر واللوز والأثل وغيرها من الخشب، ثم اتسعت الخيارات مع التجارة الخارجية، ودخلت الأخشاب المستوردة إلى البيوت والأسواق، وكان للتاجر والنجار دور أساسي في هذه الرحلة، فهما الذي يعرفا المادة، ويختارا القطعة، ويحددا موضعها، ويضبطا تباعدها، ويمنحها وظيفة داخل المبنى، ومع تغير الزمن تغيرت وظيفة الكندل، لكن صورته بقيت.
فقد خرج من دوره الإنشائي القديم إلى فضاءات المجالس والمطاعم والفنادق والقرى التراثية، محتفظًا بحضوره بوصفه علامة على الماضي.
وفي النهاية، فإن قصة الخشب في واحة القطيف ليست قصة مادة، بل قصة بيئة وحرفة وتجارة وعمارة وذاكرة.
خشب من الواحة، وخشب جاء عبر البحر، ونجار عرف كيف يجمع الاثنين في بيت واحد.
وهكذا بقي الخشب شاهدًا على أن العمارة القديمة كانت تعرف قيمة المادة، وتحترم الحرفة، وتستفيد من كل ما يصل إليها من الأرض والبحر والبر.







