05 , سبتمبر 2026

القطيف اليوم

اللوزة القطيفية رافعة خشمها ومن حقها تتكبر

لو قالوا للبعض إن هذا اللوز مستورد من سويسرا، وإن أوراق أشجاره غطاها الثلج خمسة أيام، ووقف عليها عصفور مهاجر ما يمر في هذا المكان إلا يومين في السنة، وإن الحبات تم قطفها مع أول شروق للشمس، ثم رتبت في سحارة خشبية أنيقة، غالبًا سيتأملها باحترام قبل أن يسأل عن السعر، ولو قال له البائع إن الكيلو بـ220 ريالًا، يمكن يهز رأسه بكل هدوء ويقول طبيعي، واضح أنه صنف فاخر، ويمكن بعد يدور السحارة بيده ويقول شوفوا الخشب، أكيد حتى الخشب متربي في جبال الألب.

أما إذا قال له مزارع من ديرته إن عنده لوزًا مميزًا، حجمه كبير وجودته عالية، والكيلو 120 ريالًا، يبدأ بعض الناس التحقيق فورًا، 120، على ويش، ومن يشتري، وخلوه عنده، وكأن الحبة ما دخلت السوق للبيع، دخلت قسم التحقيق واعترفت تحت الضغط أنها من الفئة الفاخرة.

والحقيقة أن وجود أصناف فاخرة من الثمار والفواكه أمر طبيعي جدًا، فهناك تمر عادي وتمر فاخر، وعنب ومانجو وفراولة وكرز وتين ورمان وبطيخ وعسل وقهوة، كلها فيها أصناف ودرجات وجودات مختلفة، وبعضها يباع بأسعار مرتفعة جدًا، وهذه معلومة قديمة لدرجة أن حتى الثمار نفسها تعرفها ولا يبدو أنها معترضة.

والغريب أن البعض يتقبل هذه الفكرة بسهولة عندما يكون المنتج قادمًا من مكان بعيد، فإذا جاءت فاكهة مستوردة في علبة أنيقة، وكل حبة بينها وبين الثانية قطعة إسفنج ومربوطة بشمطوط وردي، قال ما شاء الله، منتج فاخر، وإذا كانت عليها قصة عن المزرعة والمناخ وطريقة القطف، زادت الهيبة أكثر، أما إذا خرج الصنف المميز من ديرته، بدأ السؤال عن سبب السعر وكأن الفخامة لا تكتمل إلا بختم دخول من المطار وموظف جمارك يقول للحبة تفضلي.

والأطرف أن بعض الناس قد يطارد منتجًا مستوردًا لأنه نادر، ويصوره قبل أن يأكله، ويقول شوفوا الحجم واللون والجودة، ويمكن يضعه في الثلاجة يومين زيادة حتى يشبع تصويرًا منه، لكن إذا ظهرت أمامه ثمرة من ديرته بالمواصفات نفسها، عاد إلى الرقم مباشرة، 120، وكأن الجودة مسموح بها بشرط ألا تتجرأ وتطالب بحقوقها المالية.

والأمر أبسط من كل ذلك، ليس كل اللوز متساويًا، هناك اختلاف في الحجم والنوع والجودة والطعم والندرة، ومن الطبيعي أن يكون هناك اختلاف في السعر، بعض اللوز إذا رأيته تقول هذه حبة، وبعضه إذا رأيته تقول تفضل يا أستاذ، ناقصه كرسي فقط، وبعض الحبات من كبرها لو حطيتها في المجلس يمكن أحد يصب لها قهوة.

ووجود صنف فاخر لا يعني أن بقية الأصناف اختفت، ولا يعني أن كل من يدخل السوق سيجد البائع واقفًا عند الباب يقول له اختر أبو 120 أو ممنوع المغادرة، الذي يريد السعر الأقل عنده خيارات، والذي يريد صنفًا مميزًا ويدفع أكثر عنده خيارات أيضًا، وهذه طبيعة الأسواق.

وجود ساعة بـ50 ألفًا لا يعني أن كل الساعات أصبحت بـ50 ألفًا، ووجود سيارة فاخرة لا يعني أن السيارات العادية اختفت، فلماذا اللوز وحده إذا صار من الفئة الفاخرة تعاملنا معه كأنه رفع خشمه وتكبر علينا.

وهكذا ببساطة، هناك منتج عادي، وهناك ممتاز وفاخر، ولكل مستوى زبونه، وبعض الأصناف أصلًا تكون محدودة أو نادرة أو مختلفة في الحجم والطعم، وهذه في كل العالم تباع بسعر أعلى، ولا تحتاج كل حبة أن تقدم خطابًا توضيحيًا من ثلاث صفحات تشرح فيه لماذا سعرها أغلى من بنت عمها.

والأجمل أن يكون عندنا من ثمار ديرتنا أكثر من فئة، عادية وممتازة وفاخرة ونادرة، وأن يكون لكل واحدة سوقها وزبونها، فهذا شيء جميل، ومن الطبيعي أن نفرح عندما نرى أرضنا تنتج صنفًا عالي القيمة بدل أن نقول للحبة من أول يوم نزولها السوق لا تتحمسين علينا.

والأطرف أن بعض الناس قد لا يكون ناويًا يشتري أصلًا، لكنه يغضب من السعر بالنيابة عن شخص آخر اشترى وهو مبسوط، المشتري أخذ الكيلو وراح، وصاحبنا ما زال في التعليقات يناقش مستقبله المالي، ويمكن بالليل ينام وهو يفكر كيف رضي الرجل يدفع 120 في لوز، يا أخي خله يتهنى، هو اشترى لوزًا، مو دخل شريكًا في مشروع عقاري.

أما أن يكون مجرد وجود صنف بـ120 ريالًا سببًا للغضب، فهنا موضع الاستغراب، لأن الطبيعي أن تتعدد الأسعار كما تتعدد الأصناف، وأن يكون عندك لوز بسعر مناسب، ولوز أعلى جودة بسعر أعلى، وصنف فاخر بسعر أعلى من الاثنين، وكل واحد يأخذ ما يناسبه.

أما السعر، فالسوق أذكى من كل هذا الجدل، يحكمه العرض والطلب، إن وجد الصنف من يشتريه بـ120 استمر، وإن لم يجد نزل سعره من نفسه، ولا يحتاج الأمر إلى خصومة مع اللوزة ولا دعوات عليها من نوع قاطعوها و صاقعة تصقعها ولا غيرها، فالزبون يختار والبائع يبيع، والسوق في النهاية يقول كلمته من دون أن يكتب تعليقًا واحدًا.

وأنا شخصيًا أتمنى أن أرى يومًا لوزًا من ديرتنا بـ200 و300 ريال إذا كان هناك صنف يستحق هذه القيمة، وفي الوقت نفسه تكون هناك أصناف أخرى بأسعار أقل بكثير، الذي يناسبه الفاخر يأخذه، والذي لا يناسبه يختار غيره، والمسألة تنتهي عند هذا الحد.

وهنا المفارقة كلها، بعض الناس لا يزعجه أن يكون هناك لوز فاخر، الذي يزعجه فقط أن تكون الحبة الفاخرة طالعة من أرض يعرفها، ومن مزارع يعرفه، ومن ديرة ما فيها ثلج خمسة أيام حتى نعطي اللوزة فرصة تعيش الدور.


error: المحتوي محمي