03 , سبتمبر 2026

القطيف اليوم

الكركم لسويچي.. قضية سيادية لا تقبل التفاوض

هناك أشياء في الحياة يمكن الاختلاف عليها بهدوء، مثل أفضل مطعم، وأجمل لون، وأقوى فريق، وحتى من يدفع الحساب بعد العشاء، لكن يبدو أن هناك أشياء أخرى لا تقبل النقاش أصلًا، وتدخل فورًا في نطاق السيادة والحدود والوثائق التاريخية، ومن بينها، حسب آخر التطورات، «الكركم لسويچي».

نعم، الكركم لسويچي، ذلك المنتج الموسمي البريء الذي كان قبل سنوات يعيش حياته الطبيعية، يطلع في موسمه، يأكله الناس، وينتهي الموضوع، لم يكن يعرف المسكين أن مواقع التواصل ستأتي يومًا وتحوله من منتج يؤكل إلى قضية رأي عام، وأن اسمه سيصبح سببًا في استنفار حسابات، وتبادل وثائق، واستدعاء الجدات للشهادة.

القصة بدأت بسيطة جدًا، واحد كتب بكل براءة وصل الكركم لسويچي، وانتهى دور الرجل، لكنه لم يكن يعلم أنه ضغط زر إطلاق الصاروخ.

دخل واحد من منطقة مجاورة وقال عفوًا، للتصحيح فقط، هذا الكركم عندنا من أيام جد جدي، وهنا انتهى التصحيح وبدأت المعركة.

وظهر حساب آخر يحمل صورة نخلة في البروفايل، وقال بثقة مؤرخ قضى أربعين سنة في الأرشيف: مع احترامي للجميع، الكركم أصله عندنا، وعندنا ما يثبت ذلك.

ما الذي يثبت ذلك، صورة قديمة عمرها 35 سنة، فيها رجل جالس على حصير وبجانبه شيء دائري غير واضح، وضع عليه سهمًا أحمر وكتب «لمن لا يعرف التاريخ».

يا سلام، خلال ساعتين فقط، تحول الكركم من منتج موسمي إلى ملف حدودي، وبدأ كل طرف يفتح الأدراج القديمة بحثًا عن الأدلة، واحد جاء بصورة جده، والثاني بصورة مزرعة، والثالث بصورة صندوق خشبي، والرابع قال إن جدته، رحمها الله، كانت تقول الكركم حقنا، وهذه طبعًا شهادة شفوية لا تقبل الاستئناف.

وأهل الشويكة في البداية كانوا يتابعون الموضوع بهدوء، يشربون الشاي وينظرون إلى الشاشة بابتسامة الواثق، إلى أن ظهر حساب مجهول وقال الجملة التي غيرت مجرى الأحداث «الكركم لسويچي مجرد تسمية حديثة».

هنا فقط دخلت القضية مرحلة الخطر، وأغلقت فناجين القهوة معنويًا، ورفعت حالة التأهب، وبدأ البحث عن أقدم سويچي يمكن الوصول إليه، ويفضل أن يكون عمره فوق التسعين، ويملك ذاكرة جيدة، ومستعدًا للإدلاء بشهادته أمام الكاميرا.

يا حجي، حلفتك بالله، أيامكم وش كنتوا تسموه، قال: كركم، طيب كركم ويش، قال كركم يا ولدي.

انتهت المقابلة دون النتائج المرجوة، لكن مواقع التواصل لا تستسلم بهذه السهولة، ظهر خبير جديد في الأنساب الزراعية، وبدأ يشرح أن الكركم المذكور انتقل تاريخيًا من الشويكة مرورًا بحلة محيش ثم إلى المناطق المجاورة عن طريق المصاهرة والتجارة والهجرة الموسمية، ثم رسم خريطة بأسهم كأننا نتابع طرق الحرير في القرن الخامس عشر.

والمضحك أن المنتج نفسه موجود في السوق، تقدر تشتريه وتأكله وتمشي، لكن لا، نحن تجاوزنا مرحلة الأكل، الآن نريد أن نعرف لمن يعود فكريًا وجغرافيًا وحضاريًا، وبدأت المناطق الأخرى تدخل على الخط واحدة تلو الأخرى.

منطقة قالت عندنا كركم أقدم من كركمكم، والثانية قالت كركمكم أصله من عندنا، والثالثة لم يكن عندها دليل واضح، لكنها دخلت من باب ترى حتى عندنا موجود، وهي مشاركة دبلوماسية ذكية تضمن لها مقعدًا في أي مفاوضات مستقبلية.

أما الحسابات الوهمية، فهذه وجدت الموسم الذي كانت تنتظره، حساب أُنشئ قبل ثلاثة أيام، لا صورة، لا اسم، لا متابعين، لكنه يمتلك معلومات تاريخية لم تصل إليها الجامعات، يدخل ويكتب: هذه هي الحقيقة التي لا يريد أهل لسويچة سماعها.

يا أخي أنت من، لا أحد يعرف، لكن عنده الحقيقة كاملة، ثم يدخل حساب وهمي من الطرف الآخر ويرد عليه، وبعد عشر دقائق يصبح لدينا شخصان مجهولان يتعاركان على ملكية الكركم، بينما الكركم نفسه موجود في المطبخ ولا يعرف أصلًا ماذا يحدث باسمه.

وبعد قليل تبدأ المصطلحات الثقيلة، سرقة الموروث، طمس الهوية، تزوير التاريخ، محاولة نسب المنتج لغير أهله، يا جماعة الخير، هدوا اللعب شوي، نحن نتحدث عن كركم، مو عن قطعة أرض مساحتها مليون كيلومتر مربع وفيها احتياطي نفط.

وبعدين يا أخي، أنت ويش يضرك لو نسبوه لديرتهم، أو لجيرانهم، أو حتى للحي اللي بعدهم، هل بيتغير طعمه، هل بيرفض ينطبخ، هل بيوقف عند حدود الديرة ويقول ممنوع العبور إلا بتصريح، خله عندهم وعندكم وعند اللي يبيه، كل واحد يسميه على كيفه ويأكله بالعافية، لأن الظاهر أن المنتج نفسه متسامح أكثر مننا، طالع في أكثر من أرض، وساكت، لا فتح حسابًا وهميًا، ولا دخل التعليقات، ولا قال لأحد أنا حقي عندكم، المشكلة مو فيه، المشكلة فينا إحنا، اللي ممكن نحول موسمه القصير إلى نزاع طويل يحتاج في النهاية وسيطًا دوليًا وصورة جماعية بعد توقيع اتفاقية «حسن الجوار الكركمي».

والأطرف أن كل منطقة تبدأ فجأة في اكتشاف ارتباط وجداني عميق جدًا بالكركم، أشخاص ربما لم يأكلوه منذ عشر سنوات، لكن بمجرد أن يسمعوا أن منطقة أخرى نسبته إليها، يستيقظ بداخلهم الحس الوطني الكركمي، ويكتب الواحد منهم منشورًا طويلًا يبدأ بـ«للتاريخ فقط»، وهذه العبارة تحديدًا معناها أن التاريخ لن ينام الليلة.

ثم تأتي المرحلة الأخطر، مرحلة تغيير الاسم، ويظهر شخص ويقول، طالما أنه موجود عندنا، نقترح من اليوم تسميته الكركم الفلاني، ويجي شخص ثاني ويقول لا يا حبيبي، وجوده عندك لا يعني أنك تغير شهادة ميلاده، بهذا المنطق، لو زرعت نخلة في حوش البيت بكرة الصباح، ما أقدر بعد العصر أعلن تأسيس تمر الشبركه وأطالب الأسواق بتعديل الملصقات.

والحقيقة أن هذه المعارك، رغم طرافتها، تكشف شيئًا جميلًا وآخر يحتاج قليلًا من الهدوء، الجميل هو اعتزاز الناس بموروثهم المحلي، وارتباطهم بما تنتجه أرضهم وما عرفه آباؤهم وأجدادهم، وهذه علاقة تستحق الحفظ والتوثيق، لا السخرية منها.

أما الذي يحتاج الهدوء فهو أن يتحول الاعتزاز إلى مباراة إلكترونية، ثم إلى حساسيات، ثم يدخل مجهول من هنا ومجهول من هناك ويرمي كلمتين، وبعدها نجد جماعتين كاملتين في حالة استنفار بسبب منتج كان قبل ساعات في كيس عند بائع على الرصيف.

خلونا نتفق على شيء، التراث أكبر من معركة اسم، والمنتجات الموسمية لا تحتاج جواز سفر، ولا نقطة حدود، ولا ختم خروج وعودة، وإذا تشابهت التسميات أو اختلفت بين المناطق، فهذا جزء طبيعي وجميل من تنوع اللهجات والموروثات الشعبية.

أما الكركم لسويچي، فنرجو من الجميع عدم الاقتراب منه حاليًا، لأن الملف ما زال تحت الدراسة، والوثائق تجمع، والشهود كبار في السن ويحتاجون موعدًا مناسبًا بعد العصر.

وحتى إشعار آخر، نطالب المناطق التي حاولت الاستيلاء عليه بإعادته فورًا إلى الشويكة، مع الاحتفاظ بحقها الكامل في أكله، ومن لديه اعتراض، يرفق صورة لجده وبجانبها الكركم، على أن تكون الصورة واضحة، ومؤرخة، ومصدقة من اثنين من كبار السن، وغير كذا، مع كامل الاحترام والتقدير، الكركم سويچي، والقضية منتهية.


error: المحتوي محمي