01 , سبتمبر 2026

القطيف اليوم

رحمكم الله!

فتحتُ “الفيسبوك” لأرى إن كان أحد القراء قد توقف عند الفكرة التي كتبتها.

وجدتُ تعليقًا..

اقتربتُ منه بعين الكاتب التي تعرفونها.. نصفها ينتظر قارئًا ناقش الفكرة ونصفها الآخر يطمع في كلمة جميلة ترفع معنوياته قليلًا.

قرأته.. 

“الله يرحمه ويغفر له ويسكنه فسيح جناته".

عدتُ إلى اسمي أعلى المنشور..

عماد آل عبيدان..

نعم.. أنا.

تفقدتُ نفسي سريعًا..

أتنفس..

حركتُ يدي..

تتحرك..

نظرتُ حولي..

الدنيا كما تركتها قبل فتح “الفيسبوك”..

قلت.. الحمد لله.. يبدو أن الخبر لم يصلني بعد!

ضحكتُ وحمدت الله وأغلقت الصفحة وحسبتها زلة قارئ مستعجل رأى الصورة ولم يقرأ الاسم ولا المقالة.

بعد مدة وجدتُ كاتبًا آخر نشر مقالته وتحت صورته دعاء كريم بالمغفرة والرحمة وجنات النعيم.

ثم ثالثًا..

هنا بدأت المسألة تخرج من باب المصادفة وتدخل بابًا آخر يحتاج إلى شيء من التأمل وشيء أكبر من الضحك.

فالكتّاب - حسب آخر معلوماتي - بخير..

يكتبون ويأكلون ويشربون وبعضهم ينتظر نهاية الشهر لينزل له راتبه وبعضهم لديه موعد غدًا وآخر لا يزال يخاصم ويستجدي أفكاره وهذه كلها في عرف الحياة علامات مطمئنة جدًا!

تذكرتُ ذلك المشهد الكوميدي الذي يسأل فيه رجل عن شخص فيأتيه الجواب بأنه مات فيفاجأ قائلًا بما معناه.. مات وما قال لي؟!

ويبدو أن بعضنا دخل النسخة الإلكترونية من المشهد.

الرحمة دعاء جميل ويحتاجها الحي قبل الميت ولا أحد يعترض على نصيبه منها فهو طالب لها. غير أن السياق له هيبته أيضًا. حين تنشر مقالة اجتماعية وتنتظر رأيًا في فكرتها ثم يأتيك من يهيئ لك مقعدًا في جنات النعيم تشعر أن المقالة تجاوزت النقد الأدبي إلى إجراءات ما بعد الحياة!

وأغلب ظني أن الحكاية بدأت مع تغيير شكل صور الكتّاب في “القطيف اليوم”.

الصورة الشخصية أصبحت داخل تصميم ثابت أنيق غير أن العين التي اعتادت سنوات على شكل إعلانات الوفيات قد تلتقط الإطار قبل أن تلتقط الاسم.. وفي ثانية واحدة يعمل المخزون البصري القديم.. صورة رجل وإطار صحفي واسم تحته.. فتتحرك الأصابع تلقائيًا إلى “الله يرحمه”.

وهنا الطرفة تخبئ ملاحظة جادة..

فنحن لا نقرأ بالكلمات وحدها.. نقرأ بالشكل واللون وترتيب العناصر وما اختزنته أعيننا من تجارب سابقة. 
وقد تسبق الصورة العبارةَ إلى الذهن فيصدر الحكم قبل وصول صاحبه إلى السطر الأول.

لهذا أجد صور الكتّاب العادية أكثر حياة وأقرب إلى طبيعة المقالة.. فالكاتب ليس خبرًا داخل إطار وأن وجهه جزء من حضوره اليومي أو الأسبوعي وكأنك تراه قادمًا إلى المجلس وفي يده ورقة جديدة لا أن تراه في هيئة تجعل قارئًا كريمًا يختصر المقال كله في الدعاء لصاحبه!

والأمر في النهاية ملاحظة محبة لـ”القطيف اليوم” وضحكة خرجت من موقف حقيقي أكثر مما هي اعتراض على تصميم.

فقط أعيدوا إلينا صورنا كما كانت.

دعونا نكبر قليلًا ونكتب قليلًا،ك أو كثيرًا ونختلف مع القراء قليلًا ونسدد ما بقي من فواتير الحياة.

أما الرحمة..

فندعو الله أن تشملنا دائمًا..

وأما “فسيح الجنات” فجزاكم الله خيرًا..

لا تستعجلوا علينا!


error: المحتوي محمي