ليس مولدُ رسول الله محمدٍ صلى الله عليه وآله وسلم ذكرى رجلٍ وُلِد ثم مضى، بل ذكرى نورٍ أشرق فبقي، ورسالةٍ بدأت فما انتهت، ورحمةٍ أرسلها الله للعالمين فقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾؛ فمولده ميلادُ رحمة، وسيرته مدرسةُ حكمة، وذكراه تربيةٌ للأمة.
في ذكرى مولده فرصةٌ لاستحضار سيرةٍ فيها هدايةٌ للقلوب وتربيةٌ للأجيال؛ فنحن بحاجة إلى أن يعرف أبناؤنا من كان الصادق قبل الرسالة، والأمين قبل النبوة، والرحيم عند القدرة، والعادل عند الخصومة، والمتواضع عند السيادة، والصابر عند الشدة، والعافي عند المقدرة.
فكيف نطلب من طفلٍ أن يقتدي بنبيٍّ لا نحكي له سيرته؟ وكيف نريد من ناشئٍ أن يحب محمدًا ونحن لا نجعل لمحمدٍ حضورًا في بيته؟ إن القلوب تتعلق بمن يكثر ذكره، والعقول تتشكل بما يتكرر أمامها؛ فإذا ملأنا بيوتَنا بسيرته، ومجالسَنا بأخلاقه، وأيامَنا بالصلاة عليه، نشأ أبناؤنا وهم يعرفون أن لهم قدوةً لا تهزمها موضة، ولا يطويها زمن، ولا تستبدلها شهرة.
ولذلك قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾؛ فالقدوة لا تكفي أن تُكتب في الكتب، بل ينبغي أن تُحيى في القلوب، وتُروى في البيوت، وتُغرس في النفوس.
ثم تأملوا كيف رفع الله ذكره، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. وما أجمل أن تجري الصلاة عليه على ألسنتنا في عبادتنا ودعائنا؛ وكأن التربية الإيمانية تقول لنا: لا تجعلوا محمدًا صفحةً من التاريخ، بل اجعلوه حاضرًا في الذاكرة، ساكنًا في الضمير، قائدًا في المسير.
وإحياء مولده ليس طعامًا يُقدَّم ثم ينتهي، ولا زينةً تُعلَّق ثم تُطوى؛ بل سؤالٌ سنوي للنفس: كم في أخلاقنا من محمد؟ كم في بيوتنا من رحمته؟ كم في معاملاتنا من صدقه؟ وكم في اختلافنا من حلمه؟
إننا حين نستخضر ذكراه كل عام، لا نعيد ميلاد النبي؛ بل نسعى إلى ميلاد الفكر المحمدي في جيلٍ جديد. طفلٌ يسمع سيرته اليوم، قد يحمل خُلقه غدًا؛ وشابٌ يتأمل رحمته اليوم، قد يهتدي بها عمرًا؛ وقلبٌ بعيد يسمع عن عدله وعفوه، فقد يجد في نوره طريقًا إلى الهدى.
فالمحب يكثر ذكر محبوبه، ويفرح بذكره، ويسعى أن يعرف الناس جماله.
صلّى الله عليك يا رسول الله؛ وُلدتَ مرةً في مكة، ولكن سيرتك تستطيع أن تولد في قلوب أبنائنا كل يوم، وأن تبقى في ضمير الإنسانية إلى قيام الساعة.



