أبيضَ أزهر، مشربًا بحمرة، أدعجَ العينين، أهدبَ الأشفار…
قيل لعليٌّ:
«يا علي… صف لنا نبينا حتى كأننا نراه، فإنّا مشتاقون إليه»
فكأنّ علياً…بلسان الحال… سكتّ لحظات…
كيف أصف…
من ولدتُ في حجره…
وعشتُ في ظله…
واتبعته اتباع الفصيل أثر أمه.
كيف أصفُ من عرفتهُ طفلاً…
وعرفتهُ شاباً…
وعرفتهُ نبياً…
وكتبتُ وحيه وشممتُ عَرفه
وعشتُ معه ما لم يعشهُ أحدٌ مثلي.
لم يكن علي يصف رجلًا عرفه كما يعرفه الآخرون.
قال عليٌّ:
"وضعني في حجره وأنا وليد…يضمّني إلى صدره… ويمسّني جسده ويشمّني عَرْفَه، ويكنفني في فراشة، وكان يمضغ الشيء ثم يُلقمنيه"
أيُّ ذاكرةٍ يمكن أن تكون أصدق من ذاكرة طفل نشأ في حجر الحبيب؟
وأيُّ وصفٍ يمكن أن يكون أعمق…
من وصف من عرفه وليداً، ثم صغيرًا، وشابًا، ونبيًّا، وحبيبًا…
كان عليٌّ يعرفه كما لا يعرفه غيره…
فماذا رأى في حبيبه؟
وكيف كان وجهُه… وخُلقُه… وهيئتُه…
حتى قال:
"لم أرَ قبله ولا بعده مثله"
ثم بدأ علي يصفه…
"كان رسول الله رَبْعَةً من القوم، ليس بالطويل البائن، ولا بالقصير البائن"
(كان معتدل القامة… لا طويلاً ولا قصيرًا)
"أبيضَ أزهر، مشربًا بحمرة، أدعجَ العينين، أهدبَ الأشفار"
(وجهٌ أبيض مشرق… تخالط بياضَه حمرة، وعينان شديدتا السواد).
(أهدبَ الأشفار… ترد هذه العبارة في وصف جمال العين ونعومتها… رموشه طويلة وكثيفة)
"ليس بسَبِطٍ ولا جَعْدٍ قَطَطٍ، بل كان رَجِلَ الشعر"
(لم يكن شعره مسترسلًا تمامًا، ولا شديد التجعّد، بل كان بين ذلك)
"وكان شعره يضرب شحمة أذنيه حينًا… وإلى منكبيه حينًا آخر"
"وكان عريض الجبين… عريض ما بين المنكبين"
(جبينٌ واسع، ومنكبان عريضان).
"وبين كتفيه… خاتم النبوة"
ثم قال عليٌّ في مشيته:
"إذا مشى تَقَلَّع، كأنما ينحطُّ من صَبَب، وإذا التفت التفت معًا"
(كان يمشي بقوة وثبات، وإذا التفت أدار جسده كله)
ثم تأتي واحدة من أجمل الصور:
"وكان وجهه يتهلل تهلل القمر ليلة البدر"
وهنا…
لم يعد عليٌّ يصف وجهًا جميلًا فقط.
بل وصف وجهًا… يتهلل بالنور.
ثم انتقل من جمال الخِلقة… إلى جمال الخُلُق.
فقال:
"أجودَ الناس كفًّا، وأصدقَ الناس لهجة، وأوفاهم ذمّة، وألينهم عريكة"
(كان كريمًا… صادقًا… وفيًّا… وليّن الطبع)
ثم قال جملةً تختصر الحبيب كله:
"من رآه بديهةً هابه، ومن خالطه معرفةً أحبّه"
(هيبةٌ عند اللقاء… ومحبةٌ بعد المعاشرة)
ثم جاءت شهادة علي:
"دائمَ البشر، سهلَ الخُلق، ليّنَ الكلام، ليس بغليظ ولا صخّاب، ولا فظّ، ولا عيّاب"
(كان دائم البِشر، سهل المعاملة، لطيف الكلام، بعيدًا عن القسوة ورفع الصوت وسوء الخُلق)
«لم أرَ قبله ولا بعده مثله»
ولم يتوقف وصفه عند الخِلقة والخُلُق….
فقد رأى في حبيبه زهداً جعل الدنيا صغيرة في عينيه
فقال كما في نهج البلاغة:
"لقد قضم الدنيا قضماً، وطواها كشحاً، ولقد حقّر الدنيا وصغّرها"
كان يأكل على الأرض… ويجلس جلسة العبد… ويخصف نعله بيده… ويرقع ثوبه بيده.
هكذا رأى عليٌّ حبيبَه…
جمالٌ تأخذه العيون…
وخُلقٌ تأخذه القلوب…
وزهدٌ لا تأخذه الدنيا…
ولعل أجمل ما في كل هذا الوصف…
أن الذي قاله لم يكن عابرًا رأى حبيبه مرة…
بل كان عليًّا… وهو يصف حبيبَه.
يصف من احتضنه وليدًا… ونشأ في حجره صغيرًا… وعاش قريبًا منه شابًا… وكان له من رسول الله من القرب ما لم يكن لغيره.
حتى قال عليٌّ:
"كنتُ أتّبعه اتباعَ الفصيل أثرَ أمّه، يرفع لي في كل يومٍ من أخلاقه علمًا…"
وكان هو الذي كتب للنبي وحيه منذ نزوله، حتى فارق النبي الدنيا ورأسه في حجرِ علي.
ثم…
يا لها من دائرةٍ عجيبة!!
بالأمس… كان حجري في حجره.
واليوم… حجره في حجري.
بالأمس… كان هو الحجر الذي احتضني وأنا رضيعاً.
واليوم… أنا أحتضنه… وهو يودّع الدنيا.
كأنّ الـزمن لم يبدّل شيئاً…
سوى أنه أدارَ الحضن.
وكأنهما لم يكونا يوماً اثنين…
بل نوراً واحداً، امتدّ من أول الحكاية… إلى آخرها.
فأيُّ علاقةٍ كهذه؟
وأيُّ أرضٍ رأت مثل هذا الوفاء… منذ خُلقت الدنيا؟
وُلدتُ في حجره…
ومات حبيبي في حجري
……………..
«لم أرَ قبله ولا بعده مثله»
تنويه:
(الكتابة التي بين قوسين ليس من كلام أمير المؤمنين عليه السلام وإنما شرح لما قبله من الكاتب).
قيل لعليٌّ:
«يا علي… صف لنا نبينا حتى كأننا نراه، فإنّا مشتاقون إليه»
فكأنّ علياً…بلسان الحال… سكتّ لحظات…
كيف أصف…
من ولدتُ في حجره…
وعشتُ في ظله…
واتبعته اتباع الفصيل أثر أمه.
كيف أصفُ من عرفتهُ طفلاً…
وعرفتهُ شاباً…
وعرفتهُ نبياً…
وكتبتُ وحيه وشممتُ عَرفه
وعشتُ معه ما لم يعشهُ أحدٌ مثلي.
لم يكن علي يصف رجلًا عرفه كما يعرفه الآخرون.
قال عليٌّ:
"وضعني في حجره وأنا وليد…يضمّني إلى صدره… ويمسّني جسده ويشمّني عَرْفَه، ويكنفني في فراشة، وكان يمضغ الشيء ثم يُلقمنيه"
أيُّ ذاكرةٍ يمكن أن تكون أصدق من ذاكرة طفل نشأ في حجر الحبيب؟
وأيُّ وصفٍ يمكن أن يكون أعمق…
من وصف من عرفه وليداً، ثم صغيرًا، وشابًا، ونبيًّا، وحبيبًا…
كان عليٌّ يعرفه كما لا يعرفه غيره…
فماذا رأى في حبيبه؟
وكيف كان وجهُه… وخُلقُه… وهيئتُه…
حتى قال:
"لم أرَ قبله ولا بعده مثله"
ثم بدأ علي يصفه…
"كان رسول الله رَبْعَةً من القوم، ليس بالطويل البائن، ولا بالقصير البائن"
(كان معتدل القامة… لا طويلاً ولا قصيرًا)
"أبيضَ أزهر، مشربًا بحمرة، أدعجَ العينين، أهدبَ الأشفار"
(وجهٌ أبيض مشرق… تخالط بياضَه حمرة، وعينان شديدتا السواد).
(أهدبَ الأشفار… ترد هذه العبارة في وصف جمال العين ونعومتها… رموشه طويلة وكثيفة)
"ليس بسَبِطٍ ولا جَعْدٍ قَطَطٍ، بل كان رَجِلَ الشعر"
(لم يكن شعره مسترسلًا تمامًا، ولا شديد التجعّد، بل كان بين ذلك)
"وكان شعره يضرب شحمة أذنيه حينًا… وإلى منكبيه حينًا آخر"
"وكان عريض الجبين… عريض ما بين المنكبين"
(جبينٌ واسع، ومنكبان عريضان).
"وبين كتفيه… خاتم النبوة"
ثم قال عليٌّ في مشيته:
"إذا مشى تَقَلَّع، كأنما ينحطُّ من صَبَب، وإذا التفت التفت معًا"
(كان يمشي بقوة وثبات، وإذا التفت أدار جسده كله)
ثم تأتي واحدة من أجمل الصور:
"وكان وجهه يتهلل تهلل القمر ليلة البدر"
وهنا…
لم يعد عليٌّ يصف وجهًا جميلًا فقط.
بل وصف وجهًا… يتهلل بالنور.
ثم انتقل من جمال الخِلقة… إلى جمال الخُلُق.
فقال:
"أجودَ الناس كفًّا، وأصدقَ الناس لهجة، وأوفاهم ذمّة، وألينهم عريكة"
(كان كريمًا… صادقًا… وفيًّا… وليّن الطبع)
ثم قال جملةً تختصر الحبيب كله:
"من رآه بديهةً هابه، ومن خالطه معرفةً أحبّه"
(هيبةٌ عند اللقاء… ومحبةٌ بعد المعاشرة)
ثم جاءت شهادة علي:
"دائمَ البشر، سهلَ الخُلق، ليّنَ الكلام، ليس بغليظ ولا صخّاب، ولا فظّ، ولا عيّاب"
(كان دائم البِشر، سهل المعاملة، لطيف الكلام، بعيدًا عن القسوة ورفع الصوت وسوء الخُلق)
«لم أرَ قبله ولا بعده مثله»
ولم يتوقف وصفه عند الخِلقة والخُلُق….
فقد رأى في حبيبه زهداً جعل الدنيا صغيرة في عينيه
فقال كما في نهج البلاغة:
"لقد قضم الدنيا قضماً، وطواها كشحاً، ولقد حقّر الدنيا وصغّرها"
كان يأكل على الأرض… ويجلس جلسة العبد… ويخصف نعله بيده… ويرقع ثوبه بيده.
هكذا رأى عليٌّ حبيبَه…
جمالٌ تأخذه العيون…
وخُلقٌ تأخذه القلوب…
وزهدٌ لا تأخذه الدنيا…
ولعل أجمل ما في كل هذا الوصف…
أن الذي قاله لم يكن عابرًا رأى حبيبه مرة…
بل كان عليًّا… وهو يصف حبيبَه.
يصف من احتضنه وليدًا… ونشأ في حجره صغيرًا… وعاش قريبًا منه شابًا… وكان له من رسول الله من القرب ما لم يكن لغيره.
حتى قال عليٌّ:
"كنتُ أتّبعه اتباعَ الفصيل أثرَ أمّه، يرفع لي في كل يومٍ من أخلاقه علمًا…"
وكان هو الذي كتب للنبي وحيه منذ نزوله، حتى فارق النبي الدنيا ورأسه في حجرِ علي.
ثم…
يا لها من دائرةٍ عجيبة!!
بالأمس… كان حجري في حجره.
واليوم… حجره في حجري.
بالأمس… كان هو الحجر الذي احتضني وأنا رضيعاً.
واليوم… أنا أحتضنه… وهو يودّع الدنيا.
كأنّ الـزمن لم يبدّل شيئاً…
سوى أنه أدارَ الحضن.
وكأنهما لم يكونا يوماً اثنين…
بل نوراً واحداً، امتدّ من أول الحكاية… إلى آخرها.
فأيُّ علاقةٍ كهذه؟
وأيُّ أرضٍ رأت مثل هذا الوفاء… منذ خُلقت الدنيا؟
وُلدتُ في حجره…
ومات حبيبي في حجري
……………..
«لم أرَ قبله ولا بعده مثله»
تنويه:
(الكتابة التي بين قوسين ليس من كلام أمير المؤمنين عليه السلام وإنما شرح لما قبله من الكاتب).



