رأيتُ يومًا أحدَ الخطباء المتميّزين ينحني لرجلٍ ويقبّل رأسه ويده، فاستوقفني المشهد وسألته عن سبب ذلك. فقال لي: هذا أبي الثاني؛ كان يشجّعني ويدعمني، وله فضل كبير عليّ .بقيت هذه العبارة في نفسي؛ لأنها تختصر معنى التشجيع وأثره في حياة الإنسان. فربما كلمة أو موقف من شخص في وقت مناسب، يترك أثرًا لا يُنسى.
كلمة واحدة قد تغيّر مزاج إنسان، وربما تمنحه دفعة تجعله يواصل طريقًا كان يفكر في التراجع عنه. هذه هي قوة التشجيع؛ كلمة بسيطة، لكنها قد تترك أثرًا كبيرًا في النفس.
التشجيع على الأعمال الجميلة من الصفات المحمودة؛ فهو يبعث في النفس الحماس، ويدفع الإنسان إلى العطاء والمنافسة في الخير. وعندما يجد الإنسان تقديرًا لجهده، يشعر بأن ما يقدمه لم يذهب سدى، وقد يجد في ذلك دافعًا للاستمرار.
لكن خصلة التشجيع تختلف من شخص إلى آخر. هناك من لا يبخل بكلمة طيبة أو إشادة صادقة، وهناك من يشجع بصورة محدودة، بينما يكتفي آخرون بالملاحظة والصمت، حتى وإن أعجبهم ما قام به الآخرون.
وهناك أشخاص لهم روح كبيرة في التشجيع؛ يشجعون الآخرين بحب صادق، وكأن من أمامهم ابن لهم أو واحد من أقرب الناس إليهم. يفرحون لنجاحه، ويشدّون من أزره عند تعثره، ولا يرون في نجاح الآخرين انتقاصًا من نجاحهم. بل إن بعضهم يشعر أن نجاح الآخرين نجاح له. وهذه من أجمل صور التشجيع؛ لأنها لا تقوم على المجاملة، وإنما على قلب يحب الخير للآخرين كما يحبه لنفسه.
وقد يكون الشخص قليل التعبير عن التشجيع ، لا لأنه لا يقدّر الآخرين، وإنما لأن طبيعته هادئة أو لأنه لا يجيد التعبير عما يشعر به. ومع ذلك، تبقى كلمة التقدير لها مكانها الجميل في النفس؛ فالإنسان يحب أن يشعر بأن جهده مرئي ومقدَّر.
ومن أجمل ما نسمعه في مجتمعنا الطيب بعد تقديم خدمة أو عمل نافع عبارة:رَحِمَ اللهُ وَالِدَيْكَ .كلمات قليلة، لكنها تحمل الشكر والدعاء. وهي ليست مجرد مجاملة، بل دعاء يحمل في داخله اعترافًا بالجميل، ولذلك يكون لها وقع خاص في النفس.
ومن المهم أن نتذكر أن الإنسان قد يعمل خالصًا لوجه الله تعالى، لا طلبًا لمدح الناس ولا انتظارًا لشكرهم. وهذا هو الأصل في العمل الصالح. لكن الإخلاص لا يتعارض مع التشجيع؛ فالإنسان يعمل لله، ولا يمنع ذلك أن يفرح بكلمة طيبة أو يقدّر تشجيع الآخرين. وقد تكون هذه الكلمة سببًا في إدخال السرور على القلب ودفع الإنسان إلى مواصلة الخير.
وفي حياتنا اليومية نرى ذلك كثيرًا: موظف يبذل جهدًا إضافيًا، أو ابن يحاول أن ينجز عملًا، أو صديق يقدم خدمة، أو متطوع يخدم الآخرين. قد لا ينتظر هؤلاء مكافأة، لكن كلمة مثل أحسنت أو رَحِمَ اللهُ وَالِدَيْكَ .تشعرهم بأن عطاءهم لم يمر دون تقدير.
والتشجيع لا يعني أن نمدح كل شيء، ولا أن نتغاضى عن الخطأ. فالنصيحة الصادقة قد تكون تشجيعًا أيضًا إذا جاءت بحب، وكان هدفها الإصلاح، لا التقليل من صاحبها أو إحراجه.
وفي المقابل، إذا لم تكن من الأشخاص الذين يجيدون التشجيع، فلا بأس؛ فالناس يختلفون في طباعهم. لكن إذا لم تشجع، فلا تكن سببًا في إحباط من يحاول. ليس مطلوبًا أن تمدح كل عمل، لكن ليس من الجميل أن تطفئ حماس إنسان، أو تقلل من جهده، أو تسخر من محاولة قد تكون مهمة بالنسبة إليه.
وأحيانًا يكون الصمت أفضل من كلمة محبطة؛ فقد تنسى أنت الكلمة بعد أن تقولها، بينما تبقى في نفس من سمعها فترة طويلة. وبالمقابل، قد تقول كلمة تشجيع عابرة وتنسى أنك قلتها، بينما يحتفظ بها شخص آخر في ذاكرته لأنها جاءت في وقت كان يحتاج فيه إلى من يدفعه إلى الأمام.
لذلك، كن ممن يرون الخير في الآخرين ويعبّرون عنه، واشكر من يقدم خدمة، وادعُ لمن أحسن، وشجّع من يحاول. وإن لم تجد ما تقول، فعلى الأقل لا تكن سببًا في إحباط الآخرين.
شجّع من يستحق، واشكر من يخدم، وإن لم تجد ما تقول فلا تُحبط من يحاول.
وشكرًا لكل من كان يومًا سببًا في تشجيع إنسان، أو منحه كلمة طيبة، أو دفعه إلى الأمام؛ فقد لا يعلم المشجّع أن كلمته كانت بداية نجاح، أو سببًا في استمرار طريق، أو لحظة غيّرت حياة إنسان إلى الأفضل. وربما بقي أثر تلك الكلمة في ذاكرة صاحبها سنوات طويلة.
فما أجمل أن تكون يومًا سببًا في تقدم إنسان، وأن تبقى في ذاكرته بوصفك الشخص الذي شجّعه عندما كان يحتاج إلى من يؤمن به.



