20 , أغسطس 2026

القطيف اليوم

حين سأل الحفيد عن الأسماء الحسنى

جلس الحفيد إلى جوار جدّه، وفي يده ورقةٌ كُتبت عليها أسماء الله الحسنى، يتأملها بعين السؤال، ويقرؤها بقلبٍ يطلب الوصال، ثم رفع رأسه وقال:

يا جدّي، يقولون إن لله تسعةً وتسعين اسمًا، فهل ذكر القرآن هذه الأسماء كلها؟ ومن جمعها؟ ومن عدّها؟ وهل هي واحدة عند جميع المسلمين، أم أن في تعدادها اختلافًا بين الباحثين؟

ابتسم الجدّ وقال: أحسنت يا بُنيّ السؤال، فالسؤال مفتاح العلم، والاستفهام طريق الفهم، ومن سأل بأدبٍ اقترب، ومن بحث بصدقٍ لم يضطرب.

قال الحفيد: ولكني وجدت من يقول إن الأسماء التسعة والتسعين كلها في القرآن، ووجدت من يقول إن بعضها من القرآن وبعضها من الروايات، فأين البيان؟ وأين البرهان؟

قال الجدّ: القرآن يا بُنيّ أثبت أن لله الأسماء الحسنى، فقال سبحانه:
﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا﴾،
وذكر أسماءً كثيرةً في آياته، كالرّحمن والرّحيم، والملك والقدّوس، والعزيز والحكيم، والغفور والكريم.

أما عدد التسعة والتسعين، فقد ورد في الأحاديث والروايات، وتناقل معناه المسلمون بمذاهبهم ومدارسهم، وإن اختلف العلماء في سرد القائمة، أو في بعض الأسماء والعلامة.

قال الحفيد: وهل يعني ذلك أن أسماء الله لا تزيد على تسعة وتسعين؟

قال الجدّ: ليس بالضرورة يا حبيبي؛ فقد تكون هذه أسماءً مخصوصةً لها فضل الإحصاء والدعاء، ولا يعني ذلك أن كمال الله محصورٌ في عددٍ أو إملاء؛ فالله أعظم من أن تحيط به الألفاظ، وأجلّ من أن تنتهي صفاته بانتهاء الأعداد والألحاظ.

قال الحفيد: ولماذا تختلف القوائم إذن؟

قال الجدّ: لأن بعض العلماء لا يعدّ إلا الاسم الوارد صريحًا، وبعضهم يشتق الاسم من فعلٍ جاء في القرآن صحيحًا، وبعضهم يعتمد ما ورد في الحديث والرواية، ولهذا اختلفت طرق العدّ، لا ذات الأحد.

ثم وضع الجدّ يده على كتف حفيده وقال: يا بُنيّ، لا تجعل اختلاف القوائم خلافًا في العقيدة، ولا تجعل البحث في الأسماء سببًا للخصومة والقطيعة؛ فكل المسلمين يقولون: الله واحد، لا شريك له، له الأسماء الحسنى والصفات العليا، يدعونه في السراء والضراء، ويرجون رحمته في الأرض والسماء.

فسأل الحفيد: وما الأهم يا جدّي: أن أحفظ الأسماء أم أن أفهمها؟

قال الجدّ: الحفظ جميل، والفهم أجمل، والعمل بها أكمل؛ فمن عرف أن الله رحيمٌ رحم، ومن عرف أنه عفوٌّ عفا، ومن عرف أنه عدلٌ لم يظلم، ومن عرف أنه رقيبٌ استقام، ومن عرف أنه كريمٌ لم ييأس، ومن عرف أنه قريبٌ لم يستوحش.

قال الحفيد: إذن لا ينبغي أن نسأل: أي طائفةٍ تملك القائمة الصحيحة، بل نسأل: كيف تقرّبنا هذه الأسماء من الله؟

فابتسم الجدّ وقال: الآن فهمت يا بُنيّ سرّ الأسماء؛ فلم تُذكر لتكون جدارًا بين المسلمين، بل جسرًا إلى رب العالمين، ولم تُجعل مادةً للنزاع والمراء، بل بابًا للدعاء والرجاء.

ثم أخذ الحفيد الورقة، وقرأ في أولها: الله، وقال: ما دام المسمّى واحدًا، فليكن هذا الاسم جامعًا للقلوب، لا باعثًا للحروب؛ فالله ربّ الجميع، والقرآن كتاب هداية، والسؤال الصادق عبادة، والبحث المؤدّب زيادة.

فقال الجدّ: أحسنت يا بُنيّ؛ فمن عرف الله بأسمائه، رقّ قلبه لإخوانه، ومن عظّم الواحد الأحد، لم يجعل اختلاف العدّ سببًا للصدّ، ولا تنوّع الرواية بابًا للجفوة والأذية.

وهكذا انتهى السؤال، ولم ينتهِ التأمل؛ فقد عرف الحفيد أن الاختلاف في تعداد الأسماء لا يغيّر وحدة المسمّى، وأن تنوّع طرق العلماء لا يمسّ أصل التوحيد، وأن أجمل ما في الأسماء الحسنى أنها تجمع العبد بربّه، وتجمع المسلمين على حبّه.


error: المحتوي محمي