20 , أغسطس 2026

القطيف اليوم

محراب التكوين (٦): بصيرة العبادة

العبادة في المنظور الإسلامي مدرسة متكاملة تهدف إلى إعادة تشكيل الفكر الإنساني بالوعي والرشد عند النظر في الوقائع والمفاهيم والأهداف الصانعة لشخصيته، كما يتم من خلالها التعرف على تلك المضامين العالية والقيم السامية، واكتسابها كسلوكيات تمنهج أفعاله وتصرفاته.

فالصلاة الواعية ليست مجرد أفعال يسعى من خلالها المصلي إلى إسقاط التكليف الإلهي بها، وإنما هي محطة لبناء مشاعره وتنميتها، وإيقاظ ضميره من خلال حضور القلب أثناء الوقوف بين يدي العظمة الإلهية.

ومما لا شك فيه أن تربية النفس والسلوك لا تحدث فجأة ولا دفعة واحدة، بل هي عملية مستمرة تظهر ثمرتها شيئًا فشيئًا، وذلك بتجلي السلوكيات الحسنة، والتعامل وفق منظومة أخلاقية تترفع عن الرذائل والعيوب.

فالصلاة تعيد ترتيب علاقة الإنسان بذاته، طلبًا للتكامل وتنزيه النفس، وعلاقته بالأشياء من حوله؛ فيميز بين ما يمكن أن يضيف إليه مكتسبًا إيجابيًا، وبين ما يستنزف طاقته الإيمانية.

وبنحو تدريجي، تنمو لديه قوة محاسبة النفس، وقوة التفكير وطرح الأسئلة على ذاته أمام مرآة الحديث، فيتساءل عن تلك الأمور التي تستحق أن يمنحها جزءًا من وقته وجهده، لما يرجوه منها من نتيجة مرضية.

فهناك أمور هامشية، أو فيها مضيعة للوقت، أو لها آثار سلبية في الدنيا والآخرة، كأحاديث السوء ومجالس السوء، ومثل هذه القضايا لا تستحق التوقف عندها، فضلًا عن تعاطيها والخوض فيها؛ إذ هناك محطات ومواقف ينبغي تجاوزها والمرور عليها مرور الكرام، وكأنها غير موجودة.

وهذا الفرز والتصنيف هو أساس تشكل ملكة التمييز عنده بين النافع والمهم والضروري من غيره؛ ليفرق بين ما يبني شخصيته ويضيف إليها سجلًا في طريق التقدم والنمو الإيماني والأخلاقي، وبين ما يوقعه في خسارة جزء مهم من عمره، ولو كان بسيطًا.

والخشوع في الصلاة واستحضار العظمة الإلهية يهبان المصلي بصيرة وحكمة وضبطًا عند المرور بمحطات الاختبارات اليومية، وما يعرض عليه من مواقف تتأرجح بين الاستجابة للتزيين الشيطاني وأهواء النفس وانفعالاتها استجابة عمياء، وبين امتلاك قوة نفسية تعينه على ضبط مواقفه وكلماته وأفعاله وفق المعايير الأخلاقية التي يؤمن بها.

فكأنما ذلك الخشوع قبس نور يضيء له مواضع العثرات، ومهاوي السقوط، وحفر المكر الشيطاني في وسط ظلمات الحياة.

وهذا يكشف عن أهمية الصلاة ومعناها وتأثيرها الحقيقي وموقعيتها في الحياة اليومية؛ لتكون عملية تربوية تهذب النفس، فمن ثمرات هذه البصيرة العبادية أن تتشكل عند المصلي قوة إيمانية تساعده على السلامة من الانزلاق في طريق الخطايا، فلا يصبح أسيرًا لكل رغبة طارئة تزينها له نفسه الأمارة بالسوء، ولا لكل انفعال عابر يستفز مشاعره فتأتي منه ردة فعل غاضبة، ولا لضغط اجتماعي يقع فيه بسبب الاحتكاكات اليومية وتبعات العلاقات والمواقف المختلفة.

فالصلاة تعلمه درسًا مهمًا في فهم معنى وحقيقة أي فعل يقدم عليه؛ فالأمر لا يقاس بمدى إشباعه لرغبته، ليواجه بعدها تبعات سيئة وآثارًا خطيرة عليه، بل يقاس بمدى قربه من الله تعالى، وبما يتركه من أثر في بناء النفس وتكاملها.


error: المحتوي محمي