17 , أغسطس 2026

القطيف اليوم

إيقاظ النائم… حكمة الأمهات

كم مرة رأينا أمًّا تقترب من طفلها النائم، تضع يدها عليه برفق، وتوقظه بهدوء وهي تقول: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، اسْمُ اللهِ عَلَيْكَ .؟ كانت هذه الطريقة جزءًا من عادات أمهاتنا وآبائنا الايمانية الذين كانوا يحرصون على ألا يُفاجَأ النائم بصوت مرتفع أو هزّ عنيف، وكأنهم أدركوا بالفطرة أن الانتقال من النوم إلى اليقظة يحتاج إلى شيء من الرفق.

ولم تكن هذه الطريقة مجرد أسلوب لإيقاظ النائم، بل ارتبطت بمعتقد شعبي قديم. فقد كان بعض الناس يتصورون أن روح الإنسان أثناء النوم تكون في حالة مختلفة عن اليقظة، أو أنها تسرح في مكان بعيد . ولذلك كانوا يرون أن إيقاظه فجأة أو بإزعاج قد يفزعه أو يؤذيه. بل إن بعض المعتقدات الشعبية ذهبت إلى أن الفزع الشديد قد يؤدي إلى اضطراب عصبي أو حتى الجنون.

لكن ماذا يقول العلم؟

النوم ليس حالة واحدة، وإنما يمر بمراحل مختلفة، ينتقل خلالها الدماغ بين درجات متفاوتة من النشاط. وفي بعض مراحل النوم العميق تقل استجابة الإنسان للمؤثرات الخارجية، ولذلك قد يحتاج إلى بعض الوقت حتى يستعيد وعيه الكامل بعد الاستيقاظ.

ولهذا قد يبدو الشخص الذي يُوقظ فجأة، خصوصًا من النوم العميق، مرتبكًا للحظات، أو يتحدث ببطء، أو لا يستجيب بصورة طبيعية. وتُعرف هذه الحالة باسم  (خمول النوم ) ،وهي حالة مؤقتة يشعر فيها الإنسان بأن ذهنه لم يستعد نشاطه الكامل بعد. وقد يستيقظ وهو مدرك لما حوله، لكنه يحتاج إلى ثوانٍ أو دقائق حتى يستعيد تركيزه ونشاطه بصورة طبيعية.

وقد يصاحب الاستيقاظ المفاجئ شعور بالفزع، وقد تترافق معه زيادة عابرة في ضربات القلب والتنفس، خصوصًا إذا كان الاستيقاظ على صوت مرتفع أو حركة مفاجئة. وقد يكون ذلك أكثر وضوحًا عند الأطفال أو الأشخاص الذين يعانون من قلة النوم أو اضطراباته.

لكن هل يمكن أن يؤدي إيقاظ النائم فجأة إلى الجنون؟

لا توجد أدلة علمية تثبت أن الإيقاظ المفاجئ يسبب الجنون أو مرضًا نفسيًا دائمًا. ويبدو أن هذه الفكرة جزء من الموروث الشعبي الذي حاول تفسير الخوف والارتباك اللذين قد يصاحبان الاستيقاظ المفاجئ. فالفزع المؤقت شيء، والإصابة بمرض نفسي شيء آخر تمامًا.

ومع ذلك، فإن عدم صحة هذه المعتقدات لا يعني أن طريقة إيقاظ النائم غير مهمة. فالإيقاظ الهادئ ألطف على الإنسان، ويمنح الدماغ والجسم وقتًا للانتقال من النوم إلى اليقظة بهدوء، بدل الانتقال المفاجئ الذي قد يسبب الانزعاج والفزع.

وربما كان هذا هو الجانب الجميل في حكمة أمهاتنا. فلم تكن لديهن معرفة بمراحل النوم أو بمصطلح (خمول النوم )أو بتفاصيل عمل الدماغ أثناء الاستيقاظ، لكنهن تعلمن من التجربة أن النائم لا ينبغي أن يُفاجَأ أو يُزعَج بلا حاجة.

أما قولهن: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، اسْمُ اللهِ عَلَيْكَ . فهو قبل كل شيء تعبير عن الدعاء والطمأنينة والأمان. وذكر الله سبحانه وتعالى مصدر للسكينة وطمأنينة القلب، كما قال تعالى:

﴿أَلَا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾
سورة الرعد، الآية 28.

فالأم حين تقولها لطفلها لا توقظه فقط، بل تستقبله عند عودته إلى اليقظة بكلمات تحمل المحبة والدعاء والاطمئنان.

وهنا يلتقي الموروث مع العلم في نقطة جميلة: قد يختلف التفسير بين ما كان يُقال قديمًا وما يقوله العلم اليوم، لكن الرفق بالنائم بقي نصيحة لها محلها . فلا يوجد دليل علمي يثبت أن روح النائم تذهب إلى مكان بعيد، وليس صحيحًا أن إيقاظه فجأة يؤدي إلى الجنون، لكن من الصحيح أن النوم حالة مختلفة من الوعي، وأن الانتقال المفاجئ منه إلى اليقظة قد يسبب الفزع والارتباك المؤقت.

وإذا كان الشخص لا يستجيب رغم محاولة إيقاظه، أو كان فقدان الوعي غير معتاد، فلا ينبغي اعتباره مجرد نوم عميق، بل يحتاج الأمر إلى تقييم طبي مناسب.

لذلك، إذا أردت أن توقظ نائمًا، فربما كان أجمل ما تفعله هو ما كانت تفعله أمهاتنا: اقترب منه بهدوء، ناده برفق، واذكر الله، واترك له لحظات ليستعيد وعيه، وتجنب الصراخ والهز المفاجئ.

لم تكن أمهاتنا يعرفن تفاصيل علم النوم، لكنهن عرفن شيئًا مهمًا بالفطرة: أن النائم يحتاج إلى أن يعود إلى اليقظة برفق، وأن يبدأ يقظته بكلمة طيبة وذكر الله.


error: المحتوي محمي