14 , أغسطس 2026

القطيف اليوم

سرُّ النفسِ أم سرُّ الآخر؟

انطلاقاً من قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام في باب الحكم والمواعظ:
(الظَّفَرُ بِالْحَزْمِ، وَالْحَزْمُ بِإِجَالَةِ الرَّأْيِ، وَالرَّأْيُ بِتَحْصِينِ الأَسْرَارِ)

ألجُ إلى هذا المقال محاولًا الإجابة عن سؤال يتكرر في النفس، لماذا نستشعر الثقل والعبء عند كتمان السر؟

وقد أفدتُ في إدراك هذا السر مما ذكره الشارح ابن أبي الحديد عند تحليله لهذه الحكمة؛ إذ بيّن أن صعوبة كتمان السر عائدة إلى وجود قوتين في نفس الإنسان قوة آخذة تستوعب، وقوة معطية تتشوق إلى الإفصاح والتعبير.

ولكلٍّ منهما نزوع طبيعي لممارسة دورها، ولولا أن الله تعالى أودع في القوة المعطية هذا الدافع لإظهار ما عندها، لما انطبقت مقولة طرفة بن العبد الشائعة:

ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً…
ويأتيك بالأخبار من لم تزود.

ومن هنا، كان الواجب على المرء ضبط هذه القوة المعطية، فلا يطلق لها العنان إلا حيث يجب، فإن أُهمل خطامها تقحّمت بصاحبها المهالك.

فالقوى النفسية تتجاذب بين التَلَقي والإفشاء، مما يدعو إلى ضرورة الالتفات إليها والسيطرة عليها، فالإخلاص في العبادة، والعطاء، والعمل، ليس إلا لوناً من ألوان كتمان السر؛ إذ إن مفهوم السر لا يقف عند حدود القول الفردي فحسب، بل يتعداه إلى الأفعال التي ينبغي حجبها عن أعين الفضول.

وفي قوله عليه السلام: (…وَالرَّأْيُ بِتَحْصِينِ الأَسْرَارِ) دلالة جليّة على أن صواب القرار وإحكامه مرهونان بعدم إشاعته قبل أوانه؛ فمن كتم سرّه قَوِيَ رأيه، وكان أهلاً لأن يُستشار وتُقضى على يده الحوائج.

ولا يغيب عنك أيها القارئ الكريم البُعد الأخلاقي والاجتماعي لكتمان السر؛ فهو مِعمار لثقة الأفراد، وسِتر للعيوب والحرمات التي أمر الله بستْرها، وتهذيبٌ للنفس عن الاستماع إلى الفضول فيما لا يعنيها.

وفي المقابل، فإن إفشاء الأسرار يتسبب في هدم هذه القيم وتضييق خناق الأمانة والوفاء بالعهود وبالتالي عزوف أبناء المجتمع عن الالتزام بالقيمة بل تفقد هذه القيم بريقها وأهميتها في النفوس كلما تقادم الزمان.

ولعل الداعي الأساس لمعالجة هذا الموضوع والاستفادة من حِكم نهج البلاغة، هو ما نعيشه اليوم من ضجيج اجتماعي عبر منصات التواصل الرقمية وسائر الأدوات المعاصرة، فقد غدت تفاصيل البيوت وشؤون الناس الخاصة مادةً للعرض، بينما حريٌّ بها أن تظل في حصن السِّتر، حفاظاً على الكرامة، وصيانةً للمروءة أمام القريب والبعيد.

وأختم هذه السطور بقول كعب بن سعد الغنوي:

ولست بمبدٍ للرجال سريرتي … ولا أنا عن أسرارهم بسئولِ
ولا أنا يوماً للحديث سمعتهُ … إلى هاهنا من هاهنا بنقولِ

والحمد لله رب العالمين
وصلى الله على محمد وآله الطاهرين ،،،


error: المحتوي محمي