13 , أغسطس 2026

القطيف اليوم

ثنائي اللون.. عصف ذهني للمخيلة وفضاء للتأويل (3-7)

لوحة (11): (نظرات لا تغادر) للفنانة جمانة جعفر الصفار

عند النظر لهذا العمل تتداعى الأسئلة، وتتوالى علامات التعجب عن فحواه ومقارباته الملتقطة، أهو تكوين مبتكر أم مستلهم من رسومات قصص الناشئة ونوافذ الدراما، أنى يكون فالمشهد يستقرئ كحالة ذهنية جاثمة على التفكير باستقطاب متكرر ويعيدها التصور تشكيلا ولفظا وفضفضة وكبتا.

يأخذنا التوصيف كاستدلال مرئي لفتاة تكتسي ثوبا ابيضا منعكسا على جسمها، والوجه ذو ملامح مغيبة، شعر رمادي متموج بكثافة، بينما شبح أسود يقف خلفها يمد كلتا يديه ليكبلها جسدا، يحاصرها فكرا، لانرى تعابير وجهها، سوى كتلة بيضاء مصمتة لا فم ولا انف ولاعينان، خنوع وخوف وارتجاف، اوصاف تترجمها وقفة العجز وامالة الرأس واليد المسبلة، استسلام جراء قسوة مفرطة تحيط بها من اقرب الأقربين، قابض على حياتها حيث لامهرب فاصبحت كائن مسلوب الحرية.

تحيلنا الفجوة وسط الصدر وآثار التشقق عن فتق عميق بظلام دامس يخفي ماحل بالنياط من تقطع لايرى.

في احدى زوايا اللوحة عين تذرف الدمع على مآلات المصادرة حقها في الحياة، اهي النظرة الباكية التي تأبى المغادرة لفعل استوطن الضحية إلى مالانهاية!

بوح ريشة جمانة المتلاعبة بحدة بين تباينات الأبيض والاسود، وبحسب وصف عملها بآخر سطر: (بعض مايؤذينا لايأتي من الخارج بل شيء يعيش فينا وينزف معنا)!

انفاس عمل يترك سؤال حائر: لماذا ننزف؟ أحياتنا مرهونة للجراح فيضل النزف مستمرا، جدوة الفن أن يطرح الأسئلة بلا توقف.

لوحة (12): (مرسم خاص)

للفنانة غادة حسن العلوي

عنوان يرشدنا لمكان عزيز على كل فنان وفنانة، المعروف فنيا ب (ستديو الرسم) حيث تترجم الأفكار واقعا وتحال التصورات لخربشات أولية، والتخطيطات تتهيأ خضوعا للتجارب اللونية، وصولا للمبتغى.

ففي كل زاوية من المرسم حكاية وذكرى، هو المتنفس والاعتكاف والتجلي الذي ينسى فيه صاحبه الزمن ويعيش فيه معظم اوقاته، هو مكان للعزلة حيث الشغف اعتكاف لايوصف، منه تخرج الابداعات والتحف.

ومن زوايا مرسم غادة العلوي استلهمت رؤية مبهجة حيث أخذت اللون من الأنبوب الزيتي مادة خام، ووضعته بواسطة الريشة مباشرة على الشكل في الأمكنة المحددة تاركة البياض مساحة ضوء، والأسود تجسيد ظل دون تخفف من اللون ذاته، فيبرز التباين قوة متقنة، تلوين مناطق الظل محسوبة بدقة وكأن الشكل مستحضر من صورة جاهزة وربما من معالجة رقمية، اشتغال يصب في خانة فن التصميم الاقرب لطباعة الاستنسل، حيث الريشة لم تستدعى ابدا للمزج، تتحرك بحذر ولاتحيد عن فواصل مخططة سلفا، لامكان حتى لتأثيرات (الكشط) ولا رتوشات التنقيط واغبرة الرذاذ، خلفية شديدة الظلمة وارضية سوداء حالكة مع ترك تأثيرات خطية قليلة، فالبياض درجته فاقعة آت عبر النافذة، هو ضوء النهار المنعكس على الفتاة، يشع وجهها بسمة واشراقا، محياها باسم والغبطة فرحة اخآذة، وفي حضنها دمية (عروسة)، وكأنها تحلم بالغد بأن تصبح أما تداعب مولودها، غريزة متوارثة في الجنس البشري وكل المخلوقات الحية.

تظل لحظة البراءة في عيون الطفلة من أجمل اللحظات، طلة لاغش فيها ولا خداع، تمر مثل نسمة ربيع تنعش الحواس.

لوحة (13): (خطوط منحنية)

للفنان محمد كامل العلوي

يعد الخط أحد عناصر الفن، بل يعتبره الكثيرون العنصر الاساس، هو ركيزة الانطلاق قبل العناصر الستة الأخرى، منه تتكون الاشكال وتتسع ابعاد المنظور الخطي، هو الدال والمدلول الذي خطه رجل الكهف، عبر خطوط حية دون ظل ولا تجسيم ولا درجات تلوين فاصبحت كتاب يقرأ.

في البدء كان الخط ومنه تشكلت أنواعه من عمودي وافقي ومنحني، متعرج مائل ملتوي وسميك ورفيع، ولكل نوع له وظيفة فنية معينة، وكل الخطوط هي ادوات تعبيرية تشكل الفن وتحدده أغلب مساراته.

نجد في لوحة العلوي انحيازا للخطوط المنحنية المتداخلة المقوسة التي تعني الحركة والرشاقة، اربعة متقاطعة واثنان ابيضان والآخران رماديان متفاوتان في قيمةالدرجة، تحيلنا التقاطعات لدروب الحياة المنحنية التي نسلكها يمينا وشمالا، صعودا ورجوعا وهبوطا، وسط ضجيج الحياة ودروبها المتعرجة، خطوط لاترى برؤية مجردة بل تقرأ كاشارات مبطنة بأن دروبنا ليست دائما مستقيمة ولابيضاء ناصعة وليست رمادية معتمة، هي بين هذا وذاك يشوبها التقوس الذي يحني الظهر، نحن نسلك التقلبات والمنحنيات الحادة ونسير باتجاه المنعطفات المفاجئة شئنا أم ابينا، هي لعبة الأقدار احيانا تسيرنا إلى حيث لاتشتهي!

عناصر لوحة العلوي مباشرة ومعادة ومكررة وكأن لا خلاص لريشته من ربقة هذه الخطوط بتوليفتها المتقاطعة والمنحنية، قد ترى بأنها سهلة التكوين وبسيطة البناء وهي بالفعل كذلك، لكن تكمن دلالتهما في بعدها الرمزي المختصر.

لوحة (14): (المحبة)

للفنانة الزهراء سامي الجشي

لوحة اثارت الجدل بين زوار المعرض هل هي لوحة فنية، أم هي لوحة خطية صرفة، وقيل: لاتنتمي حتى للمدرسة الحروفية العربية التي انتهجها وجيه نحلة ونجا مهداوي ومحمود حماد وشاكر حسن آل سعيد وغيرهم من اساتذة هذه المدرسة، وبسطها آخر: هذه اللوحة مجرد خلفية سوداء فرغ عليها قالب خطي جاهز، لم تذهب ابعد من ذلك.

قد نتوافق مع هذه الآراء لأنها صادرة من فنانين لهم باع طويل في الاشتغال الفني، فرأيهم يحترم ويقدر. وبالتوازي مع هذا الآراء ثمة أعمال في كل معرض تثير الاستحسان وأخرى يطالها النقد غلظة وبعضها يختلف عليه بين جيد ومقبول ومادون ذلك، هذه طبيعة الأعمال الفنية ليست ثابتة في نظر الكل، لكن تظل هناك معايير فنية متفق عليها اثناء الحكم والتقييم والاختيار.

وللخروج من هذا الجدل الفني الذي اعتاد عليه المشاركون والمشاركات، سانحاز هنا للجهد المبذول من قبل الفنانة الزهراء وبتقدير رمزية الكلمة التي سعت لتأكيدها عبر اللوحة.

نرى خط الثلث برونقه والذي يعد من اجمل الخطوط العربية واصعبها وارقاها تكوينا، عنصر خطي يتجلى شكلا عبر ترداد مفردة (المحبة) المتداخلة والمكررة بدرجة لون واحدة لاتموج ولا ظلال ولاتظليل فقط الحرف صاف بلونه الأبيض على خلفية سوداء فاحمة في نطاق شكل بيضاوي الأقرب لبصمة الإبهام، ثمة ايقاع في العمل، عبر كلمة المحبة بين تصغير وتكبير، وحرف (الحاء) البارز تارة والمتواري حجما تترة أخرى، مع اشباع الشكل بتزيينات او حليات الثلث وهي ميزة مضافة على سائر الخطوط العربية الأخرى، مفردة محبة تتراقص نغما في نسيج اللوحة التي لو اشيعت سلوكا بين بني البشر لعم السلام وانتفت الحروب والأحقاد.

لوحة (15): (حلم لايوصف)

للفنان حسين شكري الزاكي

لوحة ورقية مشغولة باقلام الرصاص ودرجاته ضمن قدرات رسم محدودة، تقدم مستويات ثلاثية في نطاق حيز مشترك، مساحة السماء وعوالم سطح البحر التي تجري فوقه الفلك، بينما تحت مائه قاع ضاج بعوالم الاصداف والشعب المرجانية، تتوسط العمل طفلة جاثية على سطح الماء تنظر للعمق لستكشف ماخبئه عالم البحر من كنوز وعجائب.

مشهد متخيل على الرغم من بساطة الاشتغال إلا أنه يحيلنا لأجواء لوحات الفنان الأمريكي (كريستيان لاسين) الذي يقسم عمله بين عالمين فوق الماء وشواطئه المزدانة بالاشجار والخضار والورود وتحته حيث الاعماق والقاع حدائق غناء تموج بالالوان والاصداف، مبدع فذ يعتبر اعظم فنان صور الأحياء البحرية، وهنا المثال ليس من باب المقارنة بين فنان محترف وبين هاو إنما لتأكيد تقارب الطرح وهو الجمع بين مستويين او ثلاثا في آن واحد، وهذا يحسب للزاكي، يعتبر من خاض هذا التصور مسبقا هم (فنانو لستريشن) عبر رسوماتهم الرصدية لعلوم البحار وجداريات المتاحف العلمية، قد يكون الزاكي على اطلاع بالكتب المختصة بجغرافية الطبيعة الموجهة للناشئة وأخرى المدرسية فهي مليئة بصور ذات المستويات المتعددة، اشتغاله فيه قدر من التشبع بالمرئي من تلك الصوري التي لايخلو تعبيره من ملامح الفن الفطري، حيث يتعامل باقلام الرسم دون قواعد ولاخبرة فنية متراكمة، محب للفن فيرسم على سلقيته، ميال لعالم البحر حيث يسرد لك حكاية طويلة حين يقف على أحدى اعماله وكأن روح اكتشاف براءة الطفل للأشياء الجميلة تسكن وجدانه ونراه جليا في بؤرة وسط هذا العمل، حيث انبثاق النور يعطي توهجا، إنها نقطة السيادة لحلم طفلة لاينتهي.






error: المحتوي محمي