30 , يوليو 2026

القطيف اليوم

كُنْ نظيفًا

قال الإمام الرضا عليه السلام:
«مِنْ أَخْلَاقِ الأَنْبِيَاءِ التَّنَظُّفُ». [1]

يحكي أحد الأصدقاء قائلًا:

كان لنا جارٌ يهتم بالنظافة اهتمامًا لافتًا؛ تراه ينظف سيارته باستمرار، ولا يكتفي بحدود منزله، بل يخرج لينظف الشارع الممتد إليه، ويلتقط ما يجده فيه من أوراقٍ أو مخلفات.

وكان يتألم حين يرى أحدهم يرمي شيئًا في الطريق، فيبادر إلى نصحه، ويذكّره بأن الشارع ملكٌ للجميع، وأن المحافظة عليه مسؤولية كل فرد.

لقد كان نظيفًا بكل ما تحمله الكلمة من معنى؛ نظيف الملبس، مرتب الهيئة، جميل المكان، حريصًا على أن يترك كل موضعٍ يمر به أفضل مما كان عليه.

النظافة سمةٌ من سمات الشخصية الناجحة

الشخصية الناجحة لا تهتم بإنجاز أعمالها فحسب، بل تهتم أيضًا بجمال حضورها، وترتيب محيطها، ونظافة أدواتها ومكانها.

فالإنسان المنظم يظهر أثره في كل ما حوله؛ في مكتبه، وسيارته، وبيته، وملابسه، وفي طريقة تعامله مع المرافق العامة.

والنظافة تمنح الإنسان شعورًا بالراحة والثقة، وتساعده على العمل في أجواء أكثر هدوءًا وتركيزًا، كما تترك لدى الآخرين انطباعًا حسنًا عنه.

نظافة الملبس والهندام

من مظاهر النظافة أن يحرص الإنسان على نظافة ثيابه، وحسن هندامه، وترتيب مظهره، من غير مبالغةٍ أو تكلّف.

وقال أمير المؤمنين علي عليه السلام:

«مَنْ نَظَّفَ ثَوْبَهُ قَلَّ هَمُّهُ». [2]

فالثوب النظيف لا يمنح الإنسان مظهرًا حسنًا فحسب، بل يبعث في النفس الراحة، ويجعل حضوره أكثر قبولًا، ويعبّر عن احترامه لنفسه ولمن يلتقي بهم.

وليس المقصود بحسن الهندام ارتداء الثياب الغالية، وإنما أن تكون الثياب نظيفةً، ومرتبةً، ومناسبةً للمكان والمناسبة.

اهتم بنظافتك الشخصية

تزداد أهمية النظافة الشخصية في الأجواء الحارة، ومع كثرة التعرق والخروج من المنزل؛ لذلك احرص على الاستحمام بانتظام، وتغيير الملابس، والمحافظة على نظافة الفم والأسنان، واستخدام مزيلات الرائحة والعطور المناسبة باعتدال.

فالنظافة الشخصية تمنحك شعورًا بالانتعاش، وتساعد على الوقاية من الروائح غير المستحبة وبعض المشكلات الجلدية، وتجعل وجودك مريحًا لمن حولك.

ولا تجعل الآخرين ينفرون من الجلوس بالقرب منك بسبب رائحة ملابسك أو جسدك؛ فقد يعتاد الإنسان على رائحة معينة فلا يشعر بها، بينما يلاحظها من حوله بوضوح.

وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم:

«إِنَّ اللهَ يُبْغِضُ الرَّجُلَ الْقَاذُورَةَ».

فقيل: وما القاذورة يا رسول الله؟

قال: «الَّذِي يَتَأَفَّفُ بِهِ جَلِيسُهُ». [3]

لذلك فإن حرصك على نظافتك احترامٌ لنفسك، واحترامٌ لكل من يجلس معك أو يعمل بجوارك.

نظافة البيت

البيت النظيف يمنح ساكنيه الراحة والطمأنينة، ويجعلهم يعيشون في بيئة صحية وجميلة؛ لذلك ينبغي الاهتمام بتنظيف الغرف، وتهوية المنزل، وترتيب الأثاث، والتخلص من الغبار والمخلفات، وعدم إهمال الزوايا والأماكن التي تتجمع فيها الأوساخ.

وقد ورد عن الإمام علي عليه السلام:

«نَظِّفُوا بُيُوتَكُمْ مِنْ غَزْلِ الْعَنْكَبُوتِ، فَإِنَّ تَرْكَهُ فِي الْبَيْتِ يُورِثُ الْفَقْرَ». [4]

ولا ينبغي أن تكون نظافة البيت مسؤولية شخصٍ واحد، بل من الجميل أن يتعاون جميع أفراد الأسرة في ترتيبه والمحافظة عليه، حتى ينشأ الأبناء وهم يدركون أن النظافة مسؤولية مشتركة، وأن لكل فرد دورًا في جمال البيت وراحته.

نظافة المأكل

تبدأ سلامة الطعام من النظافة؛ نظافة اليدين، وأدوات إعداد الطعام، وأماكن التخزين، والفواكه والخضراوات قبل تناولها.

وقد ورد عن الإمام الصادق عليه السلام:

«إِنَّ لِكُلِّ ثَمَرَةٍ سُمًّا، فَإِذَا أَتَيْتُمْ بِهَا فَمَسُّوهَا بِالْمَاءِ ـ أَوِ اغْمِسُوهَا فِي الْمَاءِ ـ يَعْنِي اغْسِلُوهَا». [5]

ومن فوائد غسل الفواكه والخضراوات جيدًا أنه يساعد على إزالة الأتربة والأوساخ، ويقلل من الجراثيم وبعض بقايا المواد العالقة على سطحها، مما يجعل تناولها أكثر أمانًا.

ويُفضَّل غسلها بالماء الجاري، مع فرك الأنواع ذات القشرة الصلبة بلطف، وعدم استخدام الصابون أو مواد التنظيف المنزلية عليها، ثم تجفيفها أو حفظها بطريقة مناسبة.

النظافة أسلوب حياة

النظافة لا تقتصر على يومٍ محدد، ولا على مناسبة نستقبل فيها الضيوف، بل هي أسلوب حياة يتكرر كل يوم.

كن نظيفًا في بدنك، وثيابك، ومأكلك، وبيتك، ومكتبك، وسيارتك، وطريقك.

وعلّم أبناءك أن النظافة ليست مظهرًا خارجيًا فحسب، بل هي خُلُقٌ نبوي، وسلوكٌ حضاري، وعنوانٌ لاحترام الإنسان لنفسه، وللآخرين، وللمكان الذي يعيش فيه.

فكن نظيفًا في مظهرك، جميلًا في أثرك، واترك كل مكانٍ تمر به أنظف وأجمل مما كان.

الهوامش:

1. بحار الأنوار.
2. كنز الفوائد، ج2، ص182.
3. مستدرك الوسائل، ج3، ص236.
4. الدعوات للراوندي، ص116، ح266.
5. الكافي.


error: المحتوي محمي