29 , يوليو 2026

القطيف اليوم

الخياط

في مرحلةٍ مبكرة من حياتي، كنتُ، ككثيرين، أُبالغ في العناية بالمظهر. أفتش عن أمهر الخياطين، وأدقق في أدق تفاصيل الثوب، وأقطع عشرات الكيلومترات إلى الدمام والخبر بحثًا عنهم. ثم أدركت أن المظهر، مهما بلغ من الأناقة، لا يعدو أن يكون غلافًا، ثم ماذا؟! إنَّ حقيقة الإنسان، كما أعتقد، تسكن جوهره. فالأناقة الخارجية تراها العين لأول وهلة، أما جمال النفس فلا يكشفه إلا طول العِشرة وتقلب المواقف. وإذا كان الخياطون والحلاقون يصنعون جمال الهيئة، فإن العلماء والمفكرين والمربّين يصنعون جمال الروح والعقل. وأظن أنَّ من انشغل بتزيين ظاهره وأهمل باطنه، كان كمن يتعطر بأفخر العطور على جسد متسخ؛ فما إن يزول أثر العطر حتى تنكشف الحقيقة.

يكاد الجميع يحفظ ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله: «إنا معاشرَ الملائكة لا ندخل بيتًا فيه كلب»، كما يعلمون أن الطهارة شرط لصحة الصلاة. غير أن القليل، فيما أظن، يفتش عن طهارة القلب من الحقد والحسد وسائر الرذائل. ولعل السبب أن الحديث عن شروط صحة الأعمال كثير، أما الحديث عن أسباب قبولها فهو أقل حضورًا في وعظنا وتربيتنا. وإذا كان الكلب يمنع الملائكة من دخول البيت، فإن الحقد والحسد قد يحولان بين القلب وبين نفحات الخير والتوفيق. من هنا يقرر علماء الأخلاق أنَّ تكامل الإنسان يمر عبر ثلاث مراحل: التخلي، ثم التحلي، ثم التطبع. فالتخلي هو ترك الرذائل، والتحلي هو التخلق بالفضائل، ثم يأتي التطبع، وهو ممارسة تلك الفضائل حتى تصبح سجيةً راسخة، وجزءًا لا يتجزأ من شخصية الإنسان. فالوضوء يطهر الجوارح استعدادًا للصلاة، أما طهارة القلب فهي مما يُرجى به قبول العمل. ومن هنا، فكما نعرف عنوان الخياط الماهر والحلاق المتميز، ينبغي أن نعرف أيضًا عنوان المربي الصالح والعالم الذي يزكي النفوس ويهذب الأخلاق.

لسنواتٍ طويلة، لم أكن أعرف على وجه الدقة أصل كلمة «سُدى»، حتى وقفت على استعمالٍ عربي يطلقها على الناقة التي تُترك حين تكبر بلا راعٍ، فتهيم في الصحراء حتى تلقى مصيرها. وتذكرت عندها قول الله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى﴾؛ أي مهملًا، بلا تكليف ولا غاية ولا حساب. ولعل الجامع بين المعنيين هو فقدان الغاية. ومن هنا أرى أن الإنسان إذا اختزل حياته في الشكليات، واستنفد عمره في تزيين الظاهر دون بناء العقل وتهذيب القلب، فقد أوشك أن يبدد عمره فيما لا يبقى. أما الحياة التي تبقى آثارها، فهي التي يزكو فيها العقل، ويصفو فيها القلب، ويستقيم فيها الخلق. وهكذا فإن الجمال الحقيقي لا ينعكس في المرآة، بل ينعكس في المواقف. ولا يصنعه الحلاقون والخياطون، وإنما يصوغه الحكماء، ويغرسه العلماء المربون. ولا شك أن جمال المظهر نعمةٌ مطلوبة، لكنه يفقد قيمته إذا لم يسنده عقلٌ راجح، وقلبٌ نقي، وخلقٌ كريم. فكما نحرص على معرفة عنوان الحلاق الماهر والخياط المتقن، فلنحرص أيضًا على معرفة عنوان المربي العالم؛ فذلك هو العنوان الذي لا يجمّل هيئاتنا فحسب، بل يبني عقولنا، ويهذب قلوبنا، ويصنع ذواتنا.


error: المحتوي محمي