27 , يوليو 2026

القطيف اليوم

الأبواب لا تُكسر.. بل تُفهم (9).. مفتاح الباب الآخر

الطريق الواضح، والسير وفق قرارات مناسبة، هما نتيجة بناء العقل الواعي القادر على استيعاب الظروف الراهنة لكل مرحلة من مراحل الحياة واحتياجاتها. فقبل أن يُقدم الفرد على أي تصرف أو موقف، يفكر مليًا وبتأنٍّ في اللحظة اللاحقة لكل كلمة، أو حوار، أو تصرف، أو سلوك يصدر منه، فيزن الأمور قبل أن يُصدر عليها حكمه الأولي، ويُقدّر الموقف ومعطياته، والاحتمالات التي يمكن أن يسير عليها.

كما أن اغتنام الأوقات وتوظيفها في سبيل تحقيق الأهداف والغايات، بعيدًا عن الهدر والاستنزاف، من علائم الشخصية الناجحة. فتلك الأحاديث العقيمة، وساعات الدعة، وطلب الراحة، وأوقات الاسترخاء التكاسلي، والتعاجز عن أخذ زمام الأمور، كلها عوامل هدم وضياع لرأس مال الإنسان في الحياة، وهو العمر المقدر له. وليس الفارق الحقيقي بين الناس في الزمن الذي يملكونه، وإنما في كيفية التعامل معه، بين من يحرص على استثماره والاستفادة القصوى منه، ومن يبلغ مستوى تبلد الإحساس أمام دوران عقارب الساعة ومضي الأيام دون تقدم، أو تعويض، أو حتى سير متأخر.

وهناك أهداف كثيرة على المستوى المعرفي، والإيماني، والاجتماعي، وفي بناء القدرات النفسية واستكشاف مواطن الضعف فيها. وإن رحلة التعرف إلى النفس وإثبات حضورها تحتاج إلى كل لحظة من العمر، بعيدًا عن تضييعها أو الدخول في متاهات الأعمال العقيمة قليلة النفع.

فالقاعدة العامة في حياة الإنسان هي أنه كلما ارتقى في وعيه، وفهم سنن الحياة، وامتلك القدرة على التكيف مع الظروف الصعبة ومنعها من تقييد قواه عن العمل الجاد، ازدادت قدرته على رؤية الطريق بوضوح، وقلت أخطاؤه، وأصبحت خطواته أكثر ثباتًا واتزانًا وتأثيرًا وفاعلية. وهكذا يتحول العقل إلى بوصلة تحفظه من التيه والضياع في دروب الحياة، وإلى سراج يقوده نحو حياة يتحكم في محطاتها بقدر أكبر من الحكمة، والطمأنينة، والنجاح.

وفي كثير من الأحيان يكون التحرك غير المدروس توغلًا وتقدمًا في الطريق الخاطئ، مما يزيد من التباعد عن الحل الأنسب. فليس كل اندفاع يقود إلى طريق النجاة والخلاص من تبعات المشكلة وآثارها. وكم من إنسان ظن أن كثرة الحركة تعني الاقتراب من الحل، بينما كان يبتعد عنه أكثر فأكثر، ولم يكتشف ذلك إلا بعد فوات الأوان.

فالانفعال والتهور، دون النظر في عواقب الأمور والنتائج المترتبة عليها، قد يحجبان وضوح الرؤية، ويدفعان الإنسان إلى معالجة المشكلة بالأداة نفسها التي صنعتها، مما يعني مزيدًا من التعقيد وتضخم المشكلات. ومثل ذلك كمثل من يدفع بابًا لا يُفتح إلا بالسحب، فيستهلك جهده دون أن يخطو خطوة واحدة إلى الأمام؛ لأنه يتحرك في الاتجاه الخاطئ.

أما الوقفة الهادئة، فهي ليست ـ كما يعتقد البعض ـ ضعفًا أو تراجعًا، ولا دليلًا على فقدان الاتزان الفكري أو النفسي، بل هي مساحة يستعيد فيها العقل سيطرته على العاطفة، وينظر إلى الأمور بروية وتأمل؛ طلبًا للحصول على رؤية شاملة. وعندها تتضح الأولويات، وتنكشف الاحتمالات والمسارات الممكنة؛ لينطلق الإنسان من خلال رؤية واضحة وخطوات محسوبة.


error: المحتوي محمي