كان بيت واحد قبل سنوات يكفي ليُشعرك أن الحياة في أرجائه.
قدرٌ يفور في المطبخ وطفل يركض من غرفة إلى أخرى وأخ يصرخ لأن أخاه خطف الكرة وهرب بها وأب يطلب إنزال صوت التلفاز وأم تخرج كل دقيقة وهي تقول.. “العشاء جاهز”… ثم لا يجلس أحد على السفرة حتى يجتمع الجميع.
أما اليوم.. فكل شيء أكثر راحة…
وأقل حياة.
الطعام يصل إلى الباب عن طريق مناديب التوصيل.
الوجبة تنتهي في دقائق بلا اجتماع للعائلة على سفرة واحدة.
كل طفل يحمل عالمه بين يديه.
أحدهم يبني مدينة داخل لعبة إلكترونية والآخر يطارد شخصية لا يعرف تفاصيلها وثالث ينتظر تحديثًا جديدًا..
الأب يتصفح هاتفه..
الأم تتابع عروض المتاجر أو تستمع إلى دعاء وهي تقلب شاشة أخرى.
الجميع في المكان نفسه…
وكل واحد يعيش في مكان مختلف.
العجيب أن الشكوى قلت والأعجب أن اللقاء قلّ معها.
لقد اختفت أشياء كثيرة من حياتنا دون أن نشعر أنها اختفت.
لم يطلب أحد أن تتبدل حياتنا ولم يجلس أحد ليقرر ذلك. ومع هذا.. تبدلت تفاصيل كثيرة واحدة بعد أخرى.
هذه المتلازمة أصبحت تمتد إلى كل شيء.
حتى إلى الرياضة.
أتذكر جيدًا صالات كانت تمتلئ قبل بداية المباراة بوقت طويل.
لم يكن الناس يأتون لأن المباراة نهائية ولكن كانوا يأتون لأن الروح والشوق والحماس والحضور نفسه جزء من حياتهم.
كان الواحد يعرف فريقه والطفل يعرف اللاعب كما يعرف معلمه.
وكانت أسماء اللاعبين وطريقة لعبهم تدور في البلدة والديوانيات أكثر من نتائج المباريات..
وكانت الصالة موعدًا اجتماعيًا قبل أن تكون موعدًا رياضيًا.
أما اليوم.. فما زالت اللعبة موجودة والمواهب موجودة والبطولات تُقام والإنجازات لا تزال تتحقق في البلد مع استمرار الجهود الرسمية لتطوير الفئات السنية ودعم الأندية.
إلا أن شيئًا آخر أخذ يتراجع…
ذلك الجمهور الذي كان يعد المباراة جزءًا من برنامجه..
وهذا لا يخص لعبة واحدة فهو نمط حياة كامل فالمنافس اليوم ليس فريقًا آخر وإنما شاشة لا تنام ولعبة إلكترونية لا تنتهي ومقاطع قصيرة تُبدَّل كل بضع ثوان وتطبيقات صممت لتنتزع أكبر قدر من الوقت دون أن يشعر صاحبها.
صار الخروج يحتاج قرارًا من ذات الشخص لا من غيره والبقاء في المنزل لا يحتاج أكثر من شاحن ليكون متصلًا بعالمه الجديد.
ولهذا لم تعد المشكلة في ضعف الشغف وأصبحت المشكلة في تشتته.
كل شيء يريد قطعة من انتباهنا حتى لم يبق شيء يأخذه كاملًا.
ولهذا يظل الإنسان يرحل من غد إلى غد حتى يكتشف أن أعوامًا كاملة عبرت من أمامه وهو ينتظر اللحظة المناسبة.
واللحظة المناسبة لها عادة غريبة…
نادرًا ما تأتي إلى من ينتظرها فهي تزور الذين يبدأون.
ولربما لهذا لم تعد القضية عندي هل ستعود تلك الأيام؟
وانشغل أكثر..
هل سيكبر أطفالنا وهم يعرفون كيف يجلسون مع بعضهم ساعة كاملة دون شاشة؟
هل سيعرفون نشوة انتظار مباراة في صالة رياضية مزدحمة؟
هل سيعرفون متعة السباحة في العيون الطبيعية والإرتوازية والألعاب الشعبية التي كانت يومًا جزءًا من طفولتنا؟
هل سيحفظون ملامح أصدقائهم أكثر مما يحفظون الشخصيات الإلكترونية وأسماءها؟
أخشى أن يأتي يوم يحكي فيه أحدهم لابنه عن تلك الأمسيات فينظر إليه الطفل كما ننظر نحن إلى من يحدثنا عن زمن القوافل…
حكاية جميلة…
وقعت فعلًا…
ثم مضت.
قدرٌ يفور في المطبخ وطفل يركض من غرفة إلى أخرى وأخ يصرخ لأن أخاه خطف الكرة وهرب بها وأب يطلب إنزال صوت التلفاز وأم تخرج كل دقيقة وهي تقول.. “العشاء جاهز”… ثم لا يجلس أحد على السفرة حتى يجتمع الجميع.
أما اليوم.. فكل شيء أكثر راحة…
وأقل حياة.
الطعام يصل إلى الباب عن طريق مناديب التوصيل.
الوجبة تنتهي في دقائق بلا اجتماع للعائلة على سفرة واحدة.
كل طفل يحمل عالمه بين يديه.
أحدهم يبني مدينة داخل لعبة إلكترونية والآخر يطارد شخصية لا يعرف تفاصيلها وثالث ينتظر تحديثًا جديدًا..
الأب يتصفح هاتفه..
الأم تتابع عروض المتاجر أو تستمع إلى دعاء وهي تقلب شاشة أخرى.
الجميع في المكان نفسه…
وكل واحد يعيش في مكان مختلف.
العجيب أن الشكوى قلت والأعجب أن اللقاء قلّ معها.
لقد اختفت أشياء كثيرة من حياتنا دون أن نشعر أنها اختفت.
لم يطلب أحد أن تتبدل حياتنا ولم يجلس أحد ليقرر ذلك. ومع هذا.. تبدلت تفاصيل كثيرة واحدة بعد أخرى.
هذه المتلازمة أصبحت تمتد إلى كل شيء.
حتى إلى الرياضة.
أتذكر جيدًا صالات كانت تمتلئ قبل بداية المباراة بوقت طويل.
لم يكن الناس يأتون لأن المباراة نهائية ولكن كانوا يأتون لأن الروح والشوق والحماس والحضور نفسه جزء من حياتهم.
كان الواحد يعرف فريقه والطفل يعرف اللاعب كما يعرف معلمه.
وكانت أسماء اللاعبين وطريقة لعبهم تدور في البلدة والديوانيات أكثر من نتائج المباريات..
وكانت الصالة موعدًا اجتماعيًا قبل أن تكون موعدًا رياضيًا.
أما اليوم.. فما زالت اللعبة موجودة والمواهب موجودة والبطولات تُقام والإنجازات لا تزال تتحقق في البلد مع استمرار الجهود الرسمية لتطوير الفئات السنية ودعم الأندية.
إلا أن شيئًا آخر أخذ يتراجع…
ذلك الجمهور الذي كان يعد المباراة جزءًا من برنامجه..
وهذا لا يخص لعبة واحدة فهو نمط حياة كامل فالمنافس اليوم ليس فريقًا آخر وإنما شاشة لا تنام ولعبة إلكترونية لا تنتهي ومقاطع قصيرة تُبدَّل كل بضع ثوان وتطبيقات صممت لتنتزع أكبر قدر من الوقت دون أن يشعر صاحبها.
صار الخروج يحتاج قرارًا من ذات الشخص لا من غيره والبقاء في المنزل لا يحتاج أكثر من شاحن ليكون متصلًا بعالمه الجديد.
ولهذا لم تعد المشكلة في ضعف الشغف وأصبحت المشكلة في تشتته.
كل شيء يريد قطعة من انتباهنا حتى لم يبق شيء يأخذه كاملًا.
ولهذا يظل الإنسان يرحل من غد إلى غد حتى يكتشف أن أعوامًا كاملة عبرت من أمامه وهو ينتظر اللحظة المناسبة.
واللحظة المناسبة لها عادة غريبة…
نادرًا ما تأتي إلى من ينتظرها فهي تزور الذين يبدأون.
ولربما لهذا لم تعد القضية عندي هل ستعود تلك الأيام؟
وانشغل أكثر..
هل سيكبر أطفالنا وهم يعرفون كيف يجلسون مع بعضهم ساعة كاملة دون شاشة؟
هل سيعرفون نشوة انتظار مباراة في صالة رياضية مزدحمة؟
هل سيعرفون متعة السباحة في العيون الطبيعية والإرتوازية والألعاب الشعبية التي كانت يومًا جزءًا من طفولتنا؟
هل سيحفظون ملامح أصدقائهم أكثر مما يحفظون الشخصيات الإلكترونية وأسماءها؟
أخشى أن يأتي يوم يحكي فيه أحدهم لابنه عن تلك الأمسيات فينظر إليه الطفل كما ننظر نحن إلى من يحدثنا عن زمن القوافل…
حكاية جميلة…
وقعت فعلًا…
ثم مضت.



