في زمن تحوّلت فيه المنصات الرقمية إلى سوق مفتوحة، أصبح الإنسان، بآلامه وعفويته وضعفه، مادةً تتنافس عليها نسب المشاهدة والإعجابات. وفي خضم هذا الضجيج، تبرز وجوه تأبى أن تُختزل في مشهد عابر أو تُقاس بقيمة ما تحققه من انتشار. يحاول البعض أن يوسم العفوية والطيبة بالجنون، غير مدرك أن المأساة الحقيقية تبدأ حين يتحول نقاء الإنسان إلى وسيلة لصناعة الشهرة أو جذب المتابعين.
لم يكن حمدان مجنونًا كما ظن بعضهم، ولم يكن سلعة كما توهم آخرون. لم يكن قليل الإدراك ليُفتح له حساب رقمي يُدار باسمه، ويُعرض من خلاله ما يراه الآخرون مادة للترفيه. كان، في حقيقة أمره، أرفع من ذلك بكثير.
وهذا النص ليس مرثية لواقع استهلاكي فحسب، بل هو مواجهة مع الذات، واعتراف بأن عدسة الكاميرا قد تخطئ رؤية الإنسان حين تنشغل بالمشهد وتغفل عن المعنى.
وجه حمدان
أردت أن أكتب حمدان.
أن أخلّد هيئته المتهالكة في صورة، وأن أزرع على جبينه وسمًا إعلاميًا.
فأبيت، يا حمدان، وأغلقت باب الضوء في وجهي.
قلت لي:
“ما فعلته، فعلته لله، لا لعدساتكم التي لا ترى إلا ما تحب أن تراه.”
ارتبكت.
لا لأنك رفضت، بل لأنني انكشفت أمام نفسي.
كنت أريد أن أُشهر فضلك، لا لأجلك، بل لأجلي.
كنت أريدك مشهدًا…
وكنت تريد أن تبقى معنى.
مضيت، وبقيت في مكاني أتأمل خسارتي.
لم تكن خسارة صورة، بل خسارة بوصلة.
وذهبت أحدث نفسي:
كم من الناس يفرحون أن تلتقطهم عدسة، وأن تمنحهم لحظة حضور، دون أن ينتبهوا إلى أن قيمة الإنسان لا تُصنع بالصورة وحدها.
وأنت، يا حمدان، كنت تترفع عن ذلك كله، وكأنك تقول لي:
ليس كل من لبس الرث فقيرًا، وليس كل صامت عاجزًا عن الفهم.
وفي مساء الغروب، لمحتك من بعيد تجلس بين عمّال النظافة، توزع الشاي، وتبسط قلبك كما تُبسط السُّفرة.
حتى الكلبان، كان لهما نصيب من فتات رحمتك.
لم تُقصِ أحدًا، ولم تُفضّل أحدًا.
فالكل عندك… خلق الله.
ناديتني، ومددت إليّ كأسًا دافئًا.
فارتعشت يدي…
لا من البرد، بل من الخجل.
كنت أراك بملامحك، ولهجتك، وارتباكك…
لكنني لم أكن أراك بروحك.
حينها فقط أدركت أن الانطباعات الأولى قد تُعمي، وأن البصيرة وحدها هي التي تُبصر.
حمدان…
أقسم إنك كنت النقيَّ الوحيد في مشهدي.
وأنا…
كنت ألهث خلف الصورة، بينما كنت أنت تحيا المعنى.
كم من أمثالك يمشون في شوارعنا فلا نراهم؟
وكم وجه نقي دفناه تحت ثوب متّسخ؟
وكم عدسة تنشغل بالمشهد أكثر من انشغالها بالإنسان؟
سلام عليك، يا من رفض أن يكون خبرًا في نشرة، أو مشهدًا في مقطع عابر.
وسلام على كل حمدان…
يمسح العرق عن جبينه، ويمضي في الحياة بصمت، لا يطلب من الدنيا شيئًا، إلا أن تتركه يعبرها بكرامته.
ويبقى حمدان…
فقير الحال، غني النفس.
ويبقى المعنى أبقى من الصورة، والإنسان أكبر من أن يُقاس بعدد المشاهدات أو الإعجابات.



