23 , يوليو 2026

القطيف اليوم

غريبٌ وأطراف البيوتِ تحوطه!

كم تبعد المقبرة عن البيوت؟ لا أعرف أين يسكن القارئ الكريم، أو القارئة الكريمة، لكن المقابر عادة لا تبعد كثيرًا عن الدور.

المقبرة قطعة من الأرض لو تكلمت قالت: هاهنا دُفن الفتى الشاب الوسيم، هاهنا دُفنت الشابّة العروس التي أحبها قلب شابّ، هاهنا دفن الطفل والشيخ الكبير والشيخة الكبيرة. أشكال وألوان من البشر راقدين في قطعة أرض صغيرة!

رُبَّ لَحْدٍ قَدْ صَارَ لَحْدًا مِرَارًا .. ضَاحِكٍ مِنْ تَزَاحُمِ الْأَضْدَادِ
وَدَفِينٍ عَلَى بَقَايَا دَفِينٍ .. فِي طَوِيلِ الْأَزْمَانِ وَالْآبَادِ

يفصل بيننا وبينهم عدة أشبار، أشبار تفصل بين الحياة والموت. أشبار دفنت آمالًا وأحلام، دفنت عشاقًا ومحبين. إذا زرتهم لا تعرف الغنيّ من الفقير، العالم من الجاهل، لولا بطاقة اسم على القبر ما عرفت من في القبر. أسماء وشواهد قبور جديدة تضاف كلّ يوم في المقبرة. 

إذا زرتهم تذكر أنّ الغريب ليس من يسافر فوق الأرض ويعود. إنما الغريب الذي صار تحت الأرض ولا يعود. كان بالأمس يذهب ويجيء، ثمّ اليوم رفاتًا تحت أقدام الزائرين. تذكر أن الموت حقّ وأن المقبرة مرقد راحةٍ للمؤمن ومرقد نار للكافر. "إن القبر روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النيران".

بيت الشِعر المذكور في العنوان هو من مقطوعة شعرية منسوبة للإمام الحسين بن علي عليه السلام يرثي أخاه الإمام الحسن عليه السلام في المدينة المنورة على ساكنِيها أفضل التحيات والسلام. قال في بعضها:

بكائي طويل والدموع غزيرةٌ .. وأنت بعيدٌ والمزار قريبُ
غريبٌ وأطراف البيوت تحوطه .. ألا كلّ من تحت الترابِ غريبُ
ولا يفرح الباقي خلاف الذي مضى .. وكل فتى للموت فيه نصيبُ     
فليس حريب من اُصيب بماله .. ولكن من وارى أخاه حريبُ
نسيبك من أمسى يناجيكَ طيفهُ .. وليس لمن تحت التراب نسيبُ

أين المشكلة إذن؟ المشكلة أننا نعرف أن النهاية حفرة صغيرة وكفن بعشرة ريالات ثمّ نتلاطَم ونتحَاطم على أتفه الأمور والأسباب! ذكر كتاب الكامل لابن الأثير أن الاسكندر المقدوني الذي امتدت إمبراطوريته إلى أطرافٍ بعيدة من الأرض عندما مات قال عنه الحكماء الكثير ومما قال أحدهم: "هذه الدنيا الطويلة العريضة قد طويتَ منها في سبعة أشبار ولو كنت بذلك موقناً لم تحمل على نفسك في الطلب".

عند رجوعه من صفين أشرف الإمام علي عليه السلام على القبور بظاهر الكوفة فقال: يا أهل الديار الموحشة، والمحال المقفرة، والقبور المظلمة، يا أهل التربة، يا أهل الغربة، يا أهل الوحدة، يا أهل الوحشة، أنتم لنا فرط سابق، ونحن لكم تبع لاحق، أما الدور فقد سكنت، وأما الأزواج فقد نكحت، وأما الأموال فقد قسمت، هذا خبر ما عندنا فما خبر ما عندكم؟ - ثم التفت إلى أصحابه - فقال : أما لو أذن لهم في الكلام لأخبَروكم أن "خير الزاد التقوى".


error: المحتوي محمي