23 , يوليو 2026

القطيف اليوم

أمام المريض… لا يبقى إلا الإنسان

«لن أسمح لأي اعتبار، مثل العمر أو المرض أو الإعاقة أو العقيدة أو العرق أو الجنس أو الجنسية أو الانتماء السياسي أو المكانة الاجتماعية أو أي عامل آخر، أن يتدخل بين واجبي تجاه المريض.»

من بين بنود قسم الطبيب بعد التخرج، تبقى هذه العبارة الأقرب إلى روح المهنة، لأنها لا تتحدث عن مهارة أو معرفة، بل عن الضمير الذي يوجههما. فهي ليست كلمات تُقال في حفل التخرج، وإنما ميثاق أخلاقي يرافق الطبيب في كل يوم من أيام عمله.

ولعلها تختصر رسالة الطب كلها في فكرة واحدة: أمام المريض… لا يبقى إلا الإنسان.

فعندما يدخل المريض إلى غرفة الفحص، تتراجع كل الهويات والانتماءات إلى الخلف. لا يعود المهم اسمه أو جنسيته أو دينه أو مكانته الاجتماعية، بل ما يعانيه من ألم، وما يحتاج إليه من رعاية. في تلك اللحظة، لا يرى الطبيب إلا إنسانًا وضع ثقته بين يديه، وأصبح مسؤولًا عن بذل كل ما يستطيع من أجل مساعدته.

وهذه ليست فكرة مثالية، بل مبدأ عملي يتكرر كل يوم في المستشفيات. ففي أقسام الطوارئ، على سبيل المثال، تُحدد أولوية العلاج وفق خطورة الحالة، لا وفق مكانة المريض أو نفوذه. وفي الكوارث والأوبئة والحروب، يعالج الأطباء من يصل إليهم دون أن يسألوا عن انتمائه أو رأيه، لأن الألم لا يعرف تلك الحدود، ولأن الواجب الإنساني يسبق كل اعتبار.

وخلال سنوات الممارسة، يدرك الطبيب أن المرض يختصر المسافات بين البشر. فمهما اختلفت لغاتهم أو ثقافاتهم أو ظروفهم، فإنهم يتشابهون عندما يواجهون المرض؛ جميعهم يبحثون عن من يستمع إليهم، ويخفف عنهم، ويعاملهم بكرامة واحترام. عندها يدرك الطبيب أن أكثر ما يجمع الناس ليس ما يحملونه من اختلافات، بل ضعفهم الإنساني في لحظات المرض.

ومن هنا اكتسبت مهنة الطب مكانتها عبر العصور. فالعلم يمنح الطبيب القدرة على التشخيص والعلاج، أما الأخلاق فترشده إلى حسن استخدام هذا العلم. وقد يكون الطبيب بارعًا في معرفته، لكن تميزه الحقيقي يظهر عندما يظل العدل والرحمة حاضرين في كل قرار يتخذه.

إن الثقة بين الطبيب والمريض لا تُبنى على الشهادات والخبرة وحدهما، بل على يقين المريض بأنه سيُعامل بإنصاف، وأن كرامته ستُحترم، وأنه لن يكون موضع تمييز بسبب أي صفة من صفاته. وهذه الثقة هي أساس العلاقة العلاجية، ومن دونها يفقد الطب جانبًا من رسالته الإنسانية.

ولعل المجتمع كله يحتاج إلى أن يتأمل هذا المبدأ، لا الأطباء وحدهم. فلو تعامل الناس مع بعضهم بعضًا كما يلتزم الطبيب بقسمه، وقدّموا الإنسان على كل تصنيف، لكان عالمنا أكثر رحمة وعدلًا.

ويبقى قسم الطبيب أكثر من كلمات تُقال في يوم التخرج؛ إنه بوصلة أخلاقية تذكره دائمًا بأن رسالته تبدأ بالعلم، لكنها لا تكتمل إلا بالإنسانية.

وأمام المريض… لا يبقى إلا الإنسان.


error: المحتوي محمي