ثمة أيام لا تُقاس بالساعات، وإنما بما تتركه في القلب من أثر، وأيام أخرى تمضي في التقويم، لكنها تبقى معلقة في الذاكرة، تعود إلينا كلما مرّ تاريخها، وكأن الزمن يعيد فتح نافذةٍ على ما عشنا من أمل وخوف ورجاء.
كان صباح السابع من صفر هذا العام صباحًا عاديًا في ظاهره، لكنه حمل إليّ من المعاني ما جعلني أقف طويلًا أمام نعمةٍ كثيرًا ما نعتادها حتى إذا كادت تفارقنا أدركنا قيمتها.
استيقظت هذا الصباح على هدوء يشبه الطمأنينة، وما إن مضت ساعاته الأولى حتى تلقيت اتصالًا من الطبيبة المتابعة لحالة ابني محمد في مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث بالرياض كان اتصالًا اعتياديًا في ظاهره، لكنه حمل في مضمونه من البشائر ما جعل هذا اليوم يُكتب في ذاكرتي من جديد.
بدأت المكالمة بالسلام والسؤال عن صحة محمد، فأجبتها مطمئنًا: الحمد لله، هو بخير، ثم أخبرتني مع علمي - مسبقًا - أن لديه موعدًا في العيادة الأسبوع القادم، وأنها لن تتمكن من الحضور للعيادة كونها في إجازة، وطلبت مني أن يتوجه عند حضوره لاستكمال التطعيمات الأساسية وإجراء التحاليل الدورية المطلوبة فقط، فجميع التعليمات مدونة في ملفه الطبي.
وانتهزت هذه الفرصة، فقد مضت أشهر لم ألتقِ خلالها بالطبيبة بسبب مرافقة والده أو إخوانه له في مراجعاته الدورية، وسألتها عن حالته عن قرب، وكأنني أنتظر كلماتها منذ زمن.
أخالها ابتسمت في حديثها، مجيبةً بهدوء الواثق وطمأنينة الطبيب الذي يرى ثمرة رحلةٍ طويلة، بما يملأ قلبي سكينة: “الحمد لله، محمد في مرحلة متقدمة من التعافي، لقد تقبّل جسده العلاج بصورة ممتازة، ومع إيقاف جميع العلاجات منذ ثلاثة، لم يعد يحتاج إلا إلى المتابعة الدورية واستكمال التطعيمات، ومع مرور الوقت ستتباعد المواعيد تدريجيا حتى تصبح - بإذن الله - زيارة سنوية فقط.”
انتهت المكالمة بحمد الله أولًا، ثم بشكرها على ما بذلته من عناية واهتمام طوال رحلة العلاج، ودعوت الله أن يتم نعمته على محمد بالصحة والعافية الدائمة.
بعد أن أغلقت الهاتف، غمرتني مشاعر يصعب وصفها، كأن شيئًا في داخلي ظل مفتوحًا على السماء، ملئ قلبي سكونًا عجيبًا، وامتنان لا تحده الكلمات، شكرت الله سبحانه وتعالى على فضله، وعلى استجابته للدعاء الذي لم ينقطع يومًا، دعائي ودعاء المؤمنين، متوسلين إلى الله ببركة النبي محمد وآله الطاهرين، كما استحضرت بامتنان كل من أحاطني بالدعاء الصادق، وكل من مدّ يد العون في أصعب مراحل المحنة، ولو بكلمة طيبة أو دعوة في ظهر الغيب، أدركت بعدها أن في أوقات الشدة، قد تكون الكلمة الصادقة بلسمًا، والدعاء المخلص سندًا لا يقل أثرًا عن أي علاج.
لم تكن كلمات الطبيبة مجرد تقرير طبي، بل كانت بشارة انتظرتها عامين كاملي، شعرت أن الله يربت على قلبي مرة أخرى، ويقول لي بلطفه الخفي: لقد مضى زمن الابتلاء، وبقي أثر الرحمة، وللمصادفة التي لا أراها إلا لطفًا من الله، كان تاريخ هذا الاتصال هو اليوم السابع من صفر 1448هـ، وهو اليوم ذاته الذي يعود بي إلى السابع من صفر سنة 1446هـ، اليوم الذي خضع فيه ابني محمد لعملية زراعة نخاع العظم بعد رحلة شاقة مع سرطان الدم، هو أيضا اليوم الذي يصادف ولادة كريم أهل الأمام الحسن المجتبى عليه السلام، عامان يفصلان بين التاريخين، لكنهما يختصران رحلة كاملة من الخوف والرجاء، من الألم والأمل، من الدموع واليقين.
أتذكر ذلك اليوم بكل تفاصيله؛ لم يكن الخوف هو الشعور الغالب، ولم يكن الحزن والعجز سيد الموقف رغم ثقله، بل اذكره بوصفه يوما للرجاء والثقة بالله التي كانت أكبر من كل شيء، كنت أؤمن أن الله لا يخذل قلبًا تعلّق به، ولا يرد يدًا ارتفعت إليه صادقة، كنت أردد في داخلي: “أنت في حفظ الله، وفي ضيافة وحصن النبي محمد وآله الطاهرين، وأسأل الله أن تنال كرامتهم، وأن يكتب لك الشفاء التام.” وكان اليقين يسبق الخوف، بأن القلوب المنكسرة إذا صدقت مع الله، والكفوف إذا ارتفعت إليه بإخلاص، فإنها لا تعود خائبة، وإن تأخر تحقيق المراد.
واليوم، وأنا أسترجع تلك اللحظات، أدرك أن كل ألم كان يمهد لنعمة، وأن كل دمعة كانت تُسقى بها بذور الأمل حتى أثمرت شفاءً، وأن الله إذا كتب لعبده الفرج، جاءه من حيث لا يحتسب، وفي الوقت الذي اختاره بحكمته.
هذه التجربة لم تعلمني معنى الصبر فحسب، بل علمتني أن الأمل عبادة، وأن حسن الظن بالله قوة لا يملكها إلا من ذاق مرارة الابتلاء، ثم رأى بعينيه كيف يتحول الدعاء إلى واقع، والخوف إلى سكينة، والمرض إلى قصة انتصار، وهذا كله كان معلقا بقين ثابت في سبيل وعلى خطى محمد وآل محمد.
الحمد لله حمدًا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، الحمد لله الذي وهب محمد حياة جديدة، وأقر أعيننا بعافيته، وأتم علينا نعمته، وأسأل الله أن يديم الصحة والعافية على جميع المرضى، وأن يجعل ما مررنا به شاهدًا على رحمته الواسعة، وأن يبقى هذا اليوم ذكرى لا نستحضر منها إلا فضل الله، ولطفه، وكرمه الذي لا ينفد.



