النظرة الواعية لا تقتصر على فهم أبعاد المشكلة أو المحنة التي نمر بها، وفحص العوامل المؤثرة فيها واتجاهاتها، بل إنها تعيد تعريف حقائق الأمور وتوضيحها بما يتناسب مع وضعها وحجمها، بعيدًا عن الأوهام والاشتباه والخطأ.
فالمشكلة ليست جدارًا، ولا حجر عثرة يسد طريق العمل والإنجاز أمامنا بصورة دائمة، بل قد يكتشف الفرد أن المشكلة تكمن في موضع آخر كان خافيًا عليه، ثم تجلّى أمامه ليكتشفه. إذ قد تكون المشكلة نافذة يكتشف من خلالها مواطن الخلل والضعف لديه، بما يدفعه نحو مراجعة نفسه، وإعادة تدوير الزوايا في اكتشاف المهارات والقدرات اللازمة في ميدان العمل المثابر والإنجاز، مما يفتقده أو يهمله.
فالكثير من الناس كانت التحولات الكبرى في حياتهم نتيجة أزمات دفعتهم نحو مراجعة ذاتية، يغترفون منها الدروس والتوجيهات. فكم من فكرة كانت يومًا من المسلّمات التي لا تقبل النقاش أو التخطئة، ثم اكتشف صاحبها، بعد المرور بتجربة أو مشكلة، أنها لا تستند إلى دليل يدعمها ويثبت معالمها.
كما أن سلّم الأولويات يُعاد ترتيبه وتقويمه في خضم المرور بمشكلة تكشف الخطأ الذي كنا نرتكبه، وكذلك فإن كثيرًا من القدرات والمهارات التي نمتلكها تخفى علينا أو نهمل اكتشافها وتنميتها، فتبرز لنا مصادفة مشكلة معينة هذا القصور والإعراض عنها، فنعمل على جدولة تفكيرنا وعملنا بحسب هذا الانكشاف الجديد.
وهكذا تتحول المحنة والأزمة، في ميزان العقل الواعي، إلى مدرسة نتلقى منها الدروس والعبر، ونتعلم من الأخطاء السابقة التي كنا نرتكبها، فتتحول تلك الآلام المصاحبة للمشكلة إلى مصدر مهم من مصادر المعرفة والخبرة، كما تتحول العثرات والعراقيل والشدائد إلى رافد مهم يمدنا بالوعي والنضج العقلي.
ولهذا نرى أن الناس يختلفون في مواقفهم من الحدث الواحد، وذلك لأن زاوية النظر، وطريقة التفكير، والبناء الوجداني والنفسي، تنعكس على ذلك المشهد، فيتباين الناس في تفسيره وتوجيهه وإصدار الأحكام عليه، مع أن الحدث واحد ولم يتغير.
فهناك من ينظر إليه بوصفه إعلانًا للفشل وإخفاقًا في الوصول إلى الغاية المطلوبة، بحسب ما توصّل إليه من نتيجة، بينما يراه آخر فرصة لإعادة البناء، فينطلق من خلاله نحو النظر إلى قدراته وطريقة تفكيره، ليعيد ترتيب أوراقه وحساباته.
وقد يعدّه شخص نهاية لأحلامه وطموحاته التي عمل من أجلها فترة زمنية، وبذل في سبيلها جهودًا مضنية، وهو لا يدري أن خلف هذه الأكمة درسًا، لو استوعبه وأدركه، لكان منطلقه في ميدان العمل والإنجاز متسلحًا بمعرفة وخبرة جديدتين.
بينما يجعله آخر بداية لمسار أكثر اتزانًا، فهو ليس بأكثر من مرحلة اختبار اكتشف من خلالها قدراته ومكانته، فيعمل على تعزيز نقاط القوة والاقتدار لديه بعد تصحيح أخطائه.
فالفرق الحقيقي لا يكمن في طبيعة الظروف، وإنما في مستوى الإدراك الذي يفسر تلك الظروف ويمنحها معناها.



