في سيرة امرأة صنعت من الصبر منبراً، ومن الحنان مدرسة، هي ابنة الحاج مهدي سعيد، عُرفت منذ الصبا بـ«أم علي»، فصار الاسم عنوان خير، ولقبًا التصق بروحها قبل أن تلد الأبناء.
رحلت بجسدها، وبقيت بروحها، مضت إلى جوار ربها، وتركت خلفها عمرًا من العطاء لا يُقاس بالسنين، وذكرى عطرة لا يمحوها الزمن. رحلت المعلمة، والخطيبة، والأم التي كانت للجميع أمًا.
في مهد العلم ورضاب القرآن، نشأت في ظلال بيوت عامرة بذكر الله، فتتلمذت على يدي «العلوية» ابنة السيد حسن الكبيرة، وعلى يدي أختها الصغرى «أم محمد الناصر». أحبتاها حب الغيث للأرض العطشى، فأنبتتا فيها حافظة لكتاب الله، وقارئةً لكتاب الوفاة والفخري، وهي لم تزل في ريعان العمر.
وإذا غابت المعلمة، تقدمت هي الصفوف، فصارت التلميذة معلمة، والصغيرة سندًا، كأن الله خلقها لتكون مصباحًا لا ينطفئ.
عاصرت كوكبة من «الوليدات» كن نجمات في سماء واحدة.
وكان لصديقتها فاطمة غزوي (أم موسى) ـ رحمها الله ـ منزلة التوأم للروح، لا تفارقها الذاكرة، إلى جانب معصومة سعيدية، وأم سيد رضي، وغيرهن. زرعت المودة فحصدت الإكبار، ومضت تاركة في قلوب معلماتها وصاحباتها ذكرى عطرة كالمسك.
من حلقة القرآن إلى عرش الأمومة
كبرت، فأسست مع أختها «أم سيد نور»، وببركة دعاء والدتها الحنونة «أم سعيد»، جماعةً للقرآن، فانقلبت الحلقة بيتًا، والتلميذات بناتًا، أحبتهن حب الأم التي تخشى على فلذات كبدها، فكانت تنقش الحناء لأعراسهن بيديها، وترفع صوتها بالمديح في أفراحهن.
صبر الأرامل وعزيمة الجبال
إلا أن الأيام لا تُبقي على حال، فُجعت بزوجها وهي في ربيع العمر، فلم تنحنِ.
حملت الإبرة، فخاطت الملابس، والدراعات، والمشامر، وحرامات الصلاة، جهادًا في سبيل اللقمة الحلال وتربية الأبناء.
ربتهم فأحسنت، وزوجتهم فأكرمت، وبنت لهم دارًا فجمعت شملهم تحت سقف المروءة، فغدا بيتها قبلة الجيران، ومأوى القلوب المتعبة، ومضرب المثل في الكرم.
منبر اسمه «غريب طوس»
ولأن القلب إذا امتلأ بحب الحسين فاض، أسست «حسينية غريب طوس»، فصدح صوتها الشجي العذب في ليالي العزاء، يقرأ المصاب بدمعة، ويسكب الحزن في قلوب السامعين سكبًا.
كانت محبتها لأهل البيت عليهم السلام نفسًا لا ينقطع، وحنانها ينساب على إخوتها كالأمومة، وعلى أولادها وأحفادها كالسقيا.
أثر لا يموت
لقد خرجت أجيالًا، منهن حافظات لكتاب الله، ومنهن خطيبات على المنابر، ومنهن ملايات يحملن الراية من بعدها. غرست حب القرآن فسقى، وزرعت ولاء الحسين فأثمر.
مضت أم علي إلى ربها، ولكنها بقيت في كل آية تُتلى، وفي كل مجلس عزاء يُقام، وفي كل بيت تعلمت فيه امرأة أن تكون أمًا، ومعلمة، ومجاهدة.
رحمك الله يا أم علي، وأسكنك مع محمد وآل محمد الطيبين الطاهرين في مقعد صدق عند مليك مقتدر، جزاءً لعمر أفنيته في خدمة القرآن وخدمة الحسين.



