14 , يوليو 2026

القطيف اليوم

الأرجنتين ليست موضوع المقال

في مباراةٍ مثيرة ضمن نهائيات كأس العالم 2026، تقدّم المنتخب المصري بهدفين دون مقابل أمام الأرجنتين، بطلة العالم في نسخة 2022. لكن ما حدث في الدقائق الأخيرة كان أشبه برومانتادا استثنائية؛ إذ نجح الأسطورة ميسي ورفاقه في قلب النتيجة وانتزاع فوزٍ مذهل، لتودّع مصر البطولة وسط صدمة كبيرة لجماهيرها، ولدى كثير من العرب الذين كانوا يعلّقون آمالاً عريضة على تحقيق إنجاز عربي في هذا المونديال. وقد أثارت المباراة جدلاً واسعاً، إذ رأى كثير من مشجعي المنتخب المصري ومناوئي منتخب الأرجنتين أن الحكم تحامل على مصر بقراراته، وأنه كان سبباً في هزيمةٍ رأوا أنها لم تكن مستحقة. لكن أكثر ما استوقفني لم يكن ما جرى في الملعب، بل ما حدث في منزلي. فقد كان ولدي علي، ذو العشر سنوات، من أشد الناقمين على الحكم، يصفه بالظالم، ويتهم المنتخب الأرجنتيني بالاستفادة من ظلمه مع أنه لم يشاهد المباراة أصلاً، لماذا؟ لأن البيئة المجتمعية المحيطة، حين تمتزج بالعاطفة، قادرة على صناعة مواقف وترسيخ  آراء تبدو لصاحبها يقيناً، وهي في حقيقتها ليست سوى صدى لما يسمعه ممن حوله. وحين تظن، قارئي العزيز، أن أفكار الناس وميولهم وأذواقهم قد صاغها المنطق وحده، فأنت في الغالب تبالغ في تقدير دور العقل؛ فالكثير من قناعاتنا لا يصنعها البرهان، وإنما تصوغها العاطفة، وتغذيها البيئة، ثم تأتي عقولنا لاحقاً لتبريرها.

إن موقف كثير من مناوئي المنتخب الأرجنتيني لم يكن في نظري مجرد انفعال رياضي عابر، بل هو صورة مصغرة لسلوك إنساني يتكرر في الدين والفكر والقومية والقبيلة. فالإنسان كثيرًا ما ينظر إلى الأحداث بعين انتمائه قبل أن ينظر إليها بعين الحقيقة؛ ولذلك قال تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾، في إشارة إلى أن الحسد والانحياز من الطبائع التي قد تلازم البشر كلما برز بينهم متفوق أو متميز. وفي اعتقادي، فإن الحياد لا يُولد مع الإنسان، ولا يتحقق بمجرد ادعائه، وإنما يُصنع بالتربية، حين يتعلم منذ صغره أن يستمع إلى الرواية الأخرى، وأن يزنها بميزان العقل لا بميزان الهوى. ومن هنا، فإن المبالغة في تشويه شخص أو جماعة لا ينبغي أن تدفعنا إلى التسليم بما يُقال، ولا إلى رفضه ابتداءً، بل إلى دراسته بعينٍ منصفة؛ إذ إن الحقيقة لا تُقاس بكثرة الأصوات، وإنما بقوة البرهان. ومن هنا يبدو أن مشروع صناعة ثقافة الحياد في عقل الطفل منذ سنواته الأولى هو استثمار في بناء إنسانٍ أكثر قدرةً على الإنصاف حين يكبر؛ إنسانٍ يستطيع أن يعترف بصدق خصمه إذا كان على حق، ولو كان ذلك الخصم منتخبًا ينافس المنتخب الذي يشجعه، أو جماعةً تخالفه في الدين أو الفكر. فالقيمة الحقيقية للحياد ليست في أن تنصف من تحب، وإنما في أن تنصف من تختلف معه حين يكون الحق إلى جانبه.

أكتب هذه الكلمات قبل مواجهة الأرجنتين وإنجلترا، التي سيتحدد على ضوئها أحد طرفي نهائي كأس العالم 2026. وبحسب قراءتي الفنية، تبدو حظوظ إنجلترا أوفر، بل إنني أتوقع فوزًا مريحًا لها. وحتى لو نجح ميسي ورفاقه في بلوغ النهائي، فإن الفائز من مواجهة إسبانيا وفرنسا سيكون، في تقديري، المرشح الأقرب لحصد اللقب. لكن، بعيدًا عن التحليلات والتوقعات، أتوقع أيضًا أن تدفع العاطفة بعض مناوئي الأرجنتين إلى الحديث عن التحكيم، وإعادة تداول المقاطع التي تؤيد ما استقر في أذهانهم، تمامًا كما سيدفع الهوى أنصارها إلى تجاهل كل ما يخالف قناعاتهم. وهنا تكمن القيمة الحقيقية لكرة القدم؛ فهي ليست مجرد لعبة، بل مختبر صغير للطبيعة الإنسانية، تكشف إلى أي حد يصعب على الإنسان أن يكون محايدًا حين تتدخل عواطفه وانتماءاته. ولا أزعم أنني بمنأى عن ذلك، فكلنا أسرى شيء من الهوى، ولكن يبقى الفرق بين من يستسلم له، ومن يحاول أن ينتصر عليه. ولعل الحياد ليس أن نخلو من العاطفة، فهذا محال، وإنما أن نمنعها من أن تظلم الحقيقة. وذلك، في ظني، من أندر الأخلاق وأشرفها بين بني البشر.


error: المحتوي محمي