صورة ناطقة أعادتني اكثر من عشرين عامًا إلى الوراء أحببت نقل صداها الى القراء عبر " القطيف اليوم"
في بعض الأيام، لا نبحث في الأوراق... بل تبحث الأوراق فينا، ولا نبحث عن الصور.... بل الصور تأتي كطيف في مخيلتنا،
قبل أيام قليلة، وبينما كنت أرتب ملفاتي القديمة استعدادًا للشروع في إعداد مشروع رسالة الماجستير، فتحت صندوقًا رافقني سنوات طويلة. كان ممتلئًا بدفاتر اعمال التنقيبات والحفريات الاثرية، والخرائط الميدانية، والصور التي التقطتها خلال رحلتي في عالم الآثار.
كنت أبحث عن معلومة علمية.
عن تاريخ.
عن رسمٍ لموقع أثري.
لكنني وجدت شيئًا آخر تمامًا.
وجدت صورة.
صورة صغيرة، بهتت أطرافها مع الزمن، لكنها ما إن وقعت بين يدي حتى شعرت أن عشرين عامًا قد اختفت في لحظة واحدة.
جلست أحدق فيها طويلًا...
لم أعد في مكتبي
عدت إلى عام 2005.
عدت إلى أحد المواقع الأثرية في المنطقة الشرقية.
عدت إلى الرمال...
إلى حرارة الشمس ساعة... وهبوب السموم ساعة.. مع صوت اللثام ليحميك قليلا من الغبار،
إلى صوت الفرشاة وهي تزيح حبيبات التراب برفق، خوفًا من أن تجرح شاهدًا صامتًا بقي ينتظر ألفي عام ليُروي حكايته.
طوال أكثر من عقدين في العمل الميداني، رأيت مئات القطع الأثرية.
فتحت عشرات المدافن والقبور الاثرية.
ولمست بيدي آثار أناس عاشوا قبل آلاف السنين.
لكن هناك اكتشافات لا تغادر الذاكرة.
ليس لأنها الأغنى بالذهب.
ولا لأنها الأندر قيمة.
بل لأنها تمس قلب الإنسان قبل أن تخاطب عقل الباحث.
وكان هذا القبر واحدًا منها.
في ذلك الصباح، كانت أعمال التنقيب تسير بهدوء.
لا شيء يوحي بأن ذلك اليوم سيكون مختلفًا عن غيره.
ازلت الطبقة الأولى من الرمال.
ثم الثانية، ثم الغطاء الحجري الذي يزن مئات الكيلوجرامات
ثم بدأت أولى العظام تظهر.
جمجمة...
ثم عظام الكتف...
فظننت أنني أمام دفن فردي اعتيادي.
لكن الرمال كانت تخفي مفاجأة أخرى.
شيئًا فشيئًا، بدأت جمجمة ثانية تخرج من صمت الأرض.
توقفت يدي عن الحركة.
ونظرت داخل القبر.
ثم اقتربت أكثر.
ولأول مرة منذ سنوات طويلة من عملي في التنقيب، شعرت أنني لا أقف أمام اكتشاف أثري فحسب...
بل أمام مشهد إنساني كامل، مشهد ينطق بكلمات العشق بين المحبين،،
لم يكن الهيكلان متجاورين كما يحدث في كثير من المدافن المزدوجة.
بل كان بينهما ترتيب مقصود.
بدت المرأة مائلة نحو الرجل، وكأنها وجدت في كتفه الأيسر آخر موضع للأمان.
وكانت إحدى يديها تستقر فوق صدره، في وضعية توحي، لمن يتأملها، بأنها ما زالت تتشبث بقلبه حتى بعد أن توقف عن النبض منذ قرون طويلة.
أما ذراعاه، فقد بدتا وكأنهما تحتضنانها في هدوء.
ليس احتضان المنتصر على الموت...
بل احتضان الإنسان الذي يعرف أنه لا يستطيع أن يغيّر القدر، لكنه يرفض أن يترك من يحب وحيدًا في اللحظة الأخيرة.
كان المشهد ساكنًا... ناطقا ... مليئًا بالحياة.
وقفت أمام القبر صامتًا.
ونسيت للحظات أنني عالم آثار.
ونسيت القياسات، وأرقام الطبقات، وسجلات التوثيق.
كل ما كنت أراه هو إنسانان جمعهما شيء لم تستطع الرمال أن تمحوه.
وفي داخلي، بدأ سؤال لا يزال يرافقني حتى اليوم:
من كانا؟
هل كانا زوجين؟
هل كانا شقيقين؟
هل كانا من أسرة واحدة؟
لا أعلم.
ولا يملك علم الآثار، حتى اليوم، أن يمنحنا إجابة قاطعة.
كلما أطلت النظر إليهما، كنت أشعر أنني أشاهد المشهد الأخير من قصة لم يكتبها أحد.
ربما كانت تنظر إليه للمرة الأخيرة، تبحث في عينيه عن الطمأنينة التي عرفتها طوال حياتها.
وربما كان ينظر إليها في صمت، مدركًا أن الكلمات لم تعد ضرورية.
فبعض المشاعر لا تحتاج إلى لغة.
تكفي نظرة.
وتكفي يد تستقر على صدر من نحب.
وتكفي ذراعان لا تزالان تحاولان أن تحميا، حتى في مواجهة النهاية.
ثم...
سكت كل شيء.
لكن ذلك الصمت لم يكن نهاية القصة.
لقد حفظته الأرض.
وأعادته إلينا بعد ألفي عام.
أعرف أن كثيرًا من القراء سيرغبون في تسمية هذه الحكاية.
سيقول بعضهم إنها قصة حب.
وسيقول آخرون إنها قصة وفاء.
وربما يراها آخرون قصة أسرة لم يشأ من ودّعها أن يفرق بينها حتى بعد الموت.
أما أنا...
فبعد أكثر من عشرين عامًا، لم أعد أبحث عن اسم لهذه العلاقة.
يكفيني أنني رأيت بأم عيني كيف يمكن لوضعية دفن واحدة أن تختصر معنى القرب الإنساني بطريقة تعجز عنها آلاف الكلمات.
وأنا أعيد الصورة إلى ملفها القديم، أدركت أن أكثر ما بقي معي من سنوات التنقيب لم يكن القطع النادرة، ولا الأختام، ولا الحلي، ولا المسكوكات.
بل هذا المشهد.
لأن الآثار لا تحفظ تاريخ الملوك وحدهم.
إنها تحفظ أيضًا تاريخ البشر العاديين.
أولئك الذين أحبوا...
وخافوا...
وانتظروا...
وفقدوا...
ورحلوا، تاركين خلفهم رسالة لا تحتاج إلى كتابة.
قد لا نعرف اسميهما أبدًا.
وقد لا نعرف طبيعة العلاقة التي جمعتهما.
وربما لن يخبرنا العلم يومًا لماذا اختيرت لهما هذه الوضعية تحديدًا.
لكنني خرجت من ذلك الموقع في عام 2005 بقناعة لم تتغير حتى هذه اللحظة:
"إن الزمن يستطيع أن يهدم المدن، وأن يطمر الطرق، وأن يحوّل الجسد إلى عظام... لكنه يعجز أحيانًا عن أن يمحو أثر علاقة إنسانية أراد لها أصحابها، أو من أحبهم، أن تبقى متماسكة حتى بعد الموت".
ولعل هذا هو أعظم ما تعلمته من علم الآثار.
أن الماضي لا يترك لنا الذهب فقط...
بل يترك لنا ما هو أثمن منه.
"يترك لنا الإنسان".








