11 , يوليو 2026

القطيف اليوم

الأبواب لا تُكسر… بل تُفهم (2)

العقل الواعي… البوصلة التي تختصر الطريق

الإنسان المكرّم في جميع جوانب شخصيته وقدراته يمتلك نعمة إلهية عظمى تسانده وتسعفه في أداء الدور الوظيفي المناط به في الحياة وتحقيق الخلافة الإلهية على الأرض وتسنّم أعلى درجات التكامل والفضيلة، والعقل يقع في قمة الهرم من تلك العطايا الإلهية والذي يستطيع من خلاله جعل بوصلة الحياة أن يزن خطاه وأفكاره، ولذا فإن القيمة والمكانة الحقيقية للرشد العقلي لا يتعلّق بالضرورة بكمية المعلومات والمعارف التي اكتسبها واختزنها عقله واصطفت على أدراج جدرانه، بل تنبع القيمة في القدرة على توظيفها وتوجيهها في ميدان العمل المثابر في الحياة في مختلف المحطات الزمنية التي تصادفه، فإن إشراقة كل صباح عليه يفتح صفحة جديدة من الاختبار لما يمتلكه من قدرات تسعفه في تجاوز الصعاب والمحن، فالعقل ليس مجرد أداة للتفكير المجرد والنظري المنفصل عن أرض الواقع، بل هو بوصلة تهدي الإنسان إلى الطريق الأقل خسارة دون أن تضعف همته والأكثر انسجامًا مع الحكمة والغاية دون استنزاف أوقاته وإمكانياته في دائرة الفراغ والغفلة.

وبين الفعل وردة الفعل تصطف الشخصية الإنسانية وتحديد مسارها ومكانتها، وبين مدى القوة والاقتدار أو الضعف والتردد والحيرة وما بينهما من مستويات متفاوتة تتحدد المسيرة، فالإنسان الواعي - مثلًا - لا يحيا أسير ردود الأفعال وتلقي الضربات والصفعات وبناء الخطوات بناء على مقتضياتها، كما أن قراراته تتحكّم فيها التصورات المدروسة بكل تمعّن وتأنٍ ودراسة النتائج المترتبة على كل الاحتمالات، بينما الإنسان غير الواعي يسمح لعواطفه العابرة أن تقود خطواته وتعبر به نحو التيه والقرارات غير المدروسة حتى يصل سريعًا إلى منطقة الندم والخيارة، وإنما الوعي يعني سبق المواقف في عمومها بالتأمل في مختلف الظروف المحيطة به، ويزن النتائج والاحتمالات المدروسة قبل الإقدام على أي تصرّف، والعراقيل والأخطاء لها حظ وافر من عقله الواعي بعد أن يستوعبها ويتعامل معها كمحطات اختبارية يعزم بقوة على تجاوزها، ولهذا كان الوعي والحذر والتنبّه لمختلف العوامل والظروف مرحلة متقدمة من مراحل النضج العقلي؛ لأنه يحول التفكير من مجرد قدرة على التحليل للأحداث إلى قدرة على استباقها وفهم جذورها ومعطياتها والعمل الجدي على إثبات وجوده واقتداره من خلال وضع بصمة خاصة تظهر مدى ما يمتلكه من إرادة وإمكانيات في ساحة المواجهة مع الصعاب.

وكثير من المشكلات التي تستنزف أعمار الناس ويتخبّطون بين ثناياها ويتيهون في مساراتها لا تنشأ من تعقيد الواقع بقدر ما تنشأ من ضعف البصيرة وسوء التقدير والتساهل في الأخذ بزمام الأمور وتحمل مسئولية البحث عن حلول ونتائج مرضية، فالاندفاع غير المحسوب وسرعة إصدار القرارات والأحكام والانشغال بما لا ينفع، كلها صور لغياب العقل الراشد الذي يميز بين المهم والهامشي وترتيب سلم الأولويات، وبين ما يستحق الجهد والعمل من أجل تحقيقه وما لا يستحقه.


error: المحتوي محمي