07 , يوليو 2026

القطيف اليوم

حين يمرض الابن… يمرض قلب والديه

قد يتألم المريض ساعاتٍ أو أيامًا، لكن قلب والديه يبقى يتألم معه في كل لحظة. فالمرض يسكن جسد الابن، أما الخوف عليه فيسكن قلب الأب والأم، ولذلك يكون ما يعتصر قلبيهما في كثير من الأحيان أشد مما يشعر به الابن من ألم.

ومن أشد الابتلاءات على الوالدين أن يريا أحد أبنائهما طريح الفراش، يشكو وجعًا أو يعاني مرضًا. فذلك مشهد يترك في النفس مرارة، وفي القلب كربًا، ويحوّل هدوء البيت إلى حالة من الترقب والرجاء والدعاء. وقد يكون المرض يسيرًا في نظر الأطباء، لكنه في نظر الوالدين أمرٌ عظيم؛ لأنهما لا ينظران إليه بعين التشخيص فحسب، بل بعين الرحمة والمحبة.

وتتجلى هذه المشاعر بصورة أوضح عند الأم؛ فهي كثيرًا ما تسهر إلى جوار ولدها، تراقب أنفاسه، وتقيس حرارته، وتتابع دواءه، وتلهج بالدعاء له، وربما نسيت طعامها وراحتها، وكأنها هي المريضة لا ولدها. أما الأب، فقد يبدو أكثر تماسكًا، لكنه يحمل في داخله همًّا صامتًا لا يقل عن همّ الأم، ويخفي ألمه حتى لا يزيد من خوف أسرته.

ومن طبيعة الرحمة التي أودعها الله في قلوب الوالدين أنهما يتمنيان لو استطاعا أن يتحملا المعاناة بدلًا من ابنهما. فالعجز عن دفع الأذى عنه قد يكون أشد إيلامًا من المرض نفسه، لأن المحب يتوجع لوجع من يحب، وربما كان وقع الألم على قلبه أعظم من وقعه على الجسد.

ويُروى أن أحد الآباء، لما كُسرت ساق ابنه ووُضعت عليها الجبيرة، قال له: «إن ثقل هذه الجبيرة ليس على رجلك، وإنما هو على قلبي.» وهي عبارة تختصر مشاعر كثير من الآباء والأمهات؛ فقد يخفف الدواء ألم الجسد، لكن لا شيء يخفف ما في قلوبهم حتى يروا أبناءهم قد عادوا إلى عافيتهم.

وهذا الشعور ليس مجرد انفعال عابر، بل حقيقة يعيشها كثير من الآباء والأمهات؛ فالارتباط العاطفي العميق يجعلهم يشاركون أبناءهم معاناتهم، فيقل نومهم، ويضعف تركيزهم، وربما فقدوا شهيتهم للطعام، لأن القلب إذا امتلأ همًّا انعكس أثره على الجسد.

ومن عظيم منزلة الوالدين في الإسلام قول الله تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ (سورة الإسراء، الآية 24). ومن أعظم صور تلك التربية ما يبذلانه من سهرٍ وتعبٍ وقلق عند مرض أبنائهما، حتى تصبح راحتهما النفسية مرتبطة بسلامة أولادهما.

ولعل الإنسان لا يدرك عمق هذه المشاعر إدراكًا كاملًا إلا حين يصبح أبًا أو أمًا، فيجد نفسه يقلق لحرارةٍ يسيرة، أو يسهر من أجل سعالٍ عابر، فيتذكر حينها ما تحمله والداه من هموم وآلام، ويوقن أن كثيرًا من تضحياتهما كانت صامتة، لا يعلمها إلا الله.

وفي الختام، فإن مرض الابن ليس ابتلاءً لجسده وحده، بل امتحانٌ لقلوب والديه أيضًا. وقد يبرأ الجسد في أيام، لكن الساعات التي قضاها الأب والأم بين الدعاء والرجاء والخوف تبقى محفورة في ذاكرتهما. فالأطباء يعالجون جسد الابن، أما شفاء قلب والديه فلا يكون إلا بابتسامته، وعودته إلى عافيته. فطوبى لكل والدٍ ووالدةٍ احتسبا تعبهما عند الله، وطوبى لكل ابنٍ عرف قدر تلك القلوب التي كانت تتألم لألمه قبل أن يشعر هو بوجعه، فبرَّها وأحسن إليها.


error: المحتوي محمي