06 , يوليو 2026

القطيف اليوم

أعيديني إليَّ

في هجير غيابِكِ الممتد، أقفُ اليوم على تخوم الذات كمسافرٍ أضاع في لُجَّة الرمال أثر قافلته وزادَه. لم يكن الانفصال عنكِ مجرد عبورٍ تقليدي من ضفة الوصل إلى جفاء الهجر، بل كان انشطارًا بنيويًّا حادًّا في جغرافيا روحي؛ وكأنَّ زلزالًا صامتًا ضرب أعمق أركاني، فتركني شاخصًا في الفراغ، أقتفي أثرًا تلو أثرٍ في عتمة الأيام، ولا أجدني.

لقد تسللتِ ذات يومٍ إلى أدقِّ تفاصيل التكوين والوعي في داخلي، واستوطنتِ الخلايا والأنفاس، حتى استحال الصبح دونكِ باهتًا كالحًا لا ملامح له. أفتِّش في وجوه العابرين، وفي ثنايا الذاكرة المنهكة، عن تلك النسخة التي كنتُ عليها بقربِكِ، فلا أرى سوى ظلالٍ باهتةً لرجلٍ كان يفيض بالحياة، ويستنطق الفرح والدهشة من مجرد عفوية نظراتِكِ.

كلما أظلمت الدنيا في عيني، أعود بذاكرتي إلى ليلتنا الأولى؛ ليلةٌ لم تكن تشبهها ليلة. أذكر كيف كنتُ قابعًا خلف زجاج سيارتي، أراقب انهمار المطر الشديد وهو يغسل رصيف محطة القطار حيث كنتِ تقفين.

لم أحتمل بُعد المسافة ولا جدار الزجاج؛ فتحتُ الباب وذهبتُ إليكِ في وسط ذلك السيل العارم، متوشحًا بسواد ملابسي من أعلاي إلى أسفلي، أحتسي سجائري التي كانت تنطفئ تحت رذاذ السماء وتشتعل بلهيب جوفي. وقفتُ أمامكِ غارقًا بالماء والوجد، ولم أطلب منكِ حينها سوى أمرٍ واحد: أن تحادثيني. كنتُ أحتاج صوتكِ كطوق نجاة، لآخذ بيدكِ وأبوح لكِ بكل ما تكدَّس في أعماقي من مشاعر وأسرار لم يتبدد دفؤها رغم برودة تلك الليلة الممطرة.

وفي لُجَّة هذا الصمت المطبق الذي يمتد بيننا اليوم كصحراء لا نهاية لها، ينهشني تساؤلٌ حارق يبيتُ في صدري كالجمر ولا يغادره:

هل تشتاقين لي؟

هل يزوركِ طيفي في زحام يومكِ ومشاغلكِ كما يزورني ويسكنني؟

في ليلةٍ مضت، بينما كان الليل يلفني برداء سهاده، انساب صوت راشد الماجد من شجى المذياع يعبر عتمة غرفتي، فاهتزت له أركان قلبي، ووجدتني أردد خلفه ودموعي تسبق كلماتي، وكأنَّ لسان حالي يناجيكِ في الغياب:

“عشان الحب وإللي بيني وبينك…
عشان الحب عشان أيامي وسنينك
أبيك تراجع إحساسك… وتنسى جروحي وآلامك
حرام إنه في هذا البعد… تضيع أيامي وأيامك”

استوقفتني الأغنية طويلًا، وسألتُ نفسي بقلبٍ مكسور: هل يحدث، في غمرة انشغالكِ، أن تطالعي بيتًا لنزار كنا نقتسم شجوه، أو يذكركِ صوت الرعد والمطر بتلك المحطة القديمة، فتتوقف في حنجرتكِ الكلمات؟

يسهرني الظنُّ، وتتقاذفني أمواج الحيرة؛ فأنا أموت فيكِ وجدًا وشغفًا في كل ثانية، ولا أملك إلا أن أتساءل إن كنتِ تدارين حنينكِ خلف قناع العزلة.

وتأخذني اللهفة إلى منحدرٍ أشدَّ وعورة، حيث تتدافع مغالق الأسئلة لتطرق أبواب صمتكِ المستبد:

أهذا حقًّا ما كنتُ أستحقه منكِ؟

أن أُترك هكذا بين مخالب الفقد وتيه التناسي، بلا نبأٍ أو صوتٍ يعيد ترتيب خفقات قلبي المذعور؟

أسائل الليل والنجم الساهر: ألم أكن يومًا حقيقةً لديكِ؟ ألم يكن صدق اندفاعي في ذلك المطر، وسهر الليالي لأجلكِ سوى فصولًا عابرةً في كتابكِ؟ أم أن كل ما مضى بيننا من عهودٍ قطعناها، وأحلامٍ نسجناها، قد تذرَّى في ذراء الريح، كرمادٍ تذروه العواصف؟

إنها الخيبة حين تصيب موضع اليقين في الصدر، فتترك المحبَّ مذهولًا أمام سراب ما ظنَّه يومًا واحة أمانه.

لكنني، وفي غمرة هذا الوجع، أدرك يقينًا أنَّ كل ما يقع بين المحبين مسموحٌ، وأنَّ كبرياء العشق يتلاشى عند أعتاب الشوق الحقيقي. فبقدر ما نالت جراحاتي منكِ من صبري، وبقدر ما أورثني الغياب من ندوبٍ، أجدني اليوم أطوي عتابي، وأتقدم إليكِ معتذرًا؛ اعتذارًا لا ضعف فيه، بل هو منبعثٌ حبًّا وشوقًا وغرامًا، اعتذارًا يُساق قُربانًا لعينيكِ العسليتين اللتين لطالما كانتا ملاذي وأماني ومشرق شمسي.

“إنَّ غيابكِ لم يكن مجرد وعكة مشاعر أداويها بمرور الأيام والنسيان، بل كان هويَّةً وانتماءً وملاذًا أخيرًا. والآن، أعيش بعدكِ اغترابًا مزدوجًا وقاسيًا: غُربةً حارقةً عنكِ، وغُربةً أشد مرارةً عن نفسي التي غادرتْ، بلا هدى، في حقائب رحيلكِ ولم تَعُد حتى الآن.”

ملهمتي الغائبة، يا من أرى ملامحها في احمرار الوجنتين خجلًا كطفلةٍ تلهو بدميتها، وفي سحر العينين العسليتين وخصلات الشعر الكستنائي التي تغازلها الشمس؛ إن كان الفراق قد ارتفعت أسواره بيننا بقرارٍ عابرٍ في لحظةِ ضيق، فإنَّ ميثاق الحب الطاهر الذي عُقد بين قلبينا أعمق وأبقى من أن يمحوه جفاء المسافات أو يطويه صمت الليالي.

كيف يستمر المرء في العيش ونصفه الآخر مُصادَرٌ ومحتجزٌ في قلبٍ آخر بعيد؟

إنني هنا لا أستجدي وصلًا يرمم العتاب، بل أذكركِ بنبضٍ صادقٍ نقي لا يموت، وبمكانٍ في أعماق وجداني لا يزال حرًّا وخاليًا، لا يمكن لأي عابرٍ في هذا الكون أن يملأه سواكِ؛ مكانٌ ينتظر بشغف عودتكِ ليعود النور والدفء إلى أرجائه المظلمة.

إن كانت الأقدار والخطوات قد أرهقت عُرانا الموثوقة في فترةٍ مضت، فإنَّ في اليد بقية متسعٍ، وفي العمر فسحةً لنمسك ببعضنا مجددًا بكبرياء المحبين، ونعبر هذا التيه وهذا الشتات معًا بقلبٍ واحد.

أصرخ إليكِ اليوم، مدويًّا بالصوت والنثر، من عمق هذا الانكفاء والوعثاء النفسية التي تملأ أيامي؛ لا لأشكو الفقد العقيم، بل لأقول لكِ باللغة التي تفهمينها إنني بانتظاركِ دائمًا، وبأن الحكاية لم تنتهِ فصولها بعد.

أعيديني إليَّ، وعودي إليَّ.. فقد ضللتُ الطريق إلى نفسي تمامًا مذ أن أضعتُ بريق عينيكِ.


error: المحتوي محمي